من استخراج النفط إلى خدمات الكهرباء.. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مشهد الطاقة في الإمارات
توسع الإمارات توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، بدءاً من عمليات استخراج النفط حتى وصول الكهرباء إلى المشتركين، في مسار يعزز الكفاءة التشغيلية والاستدامة ويرسخ مكانة الدولة مركزاً عالمياً للابتكار.
من حفر أكثر من ميل في آبار النفط خلال 24 ساعة، إلى إنجاز استرداد تأمين مشتركي الكهرباء والمياه في ثماني دقائق، يتسع نطاق توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة الإماراتي ليشمل عمليات الإنتاج والتشغيل والخدمات. ولم تعد هذه التقنيات مجرد أدوات رقمية مساندة، بل أصبحت جزءاً من منظومة متكاملة تعتمد على البيانات والتحليلات اللحظية لتسريع القرارات، ورفع الكفاءة، وتحسين تجربة المتعاملين.
وتكشف تجربتا "أدنوك" وهيئة كهرباء ومياه دبي عن مسارين متكاملين لهذا التحول؛ الأول يبدأ من أعماق الحقول النفطية لتسريع حفر الآبار وتعزيز الإنتاجية، والثاني يصل إلى شبكات الكهرباء والمياه وخدمات المشتركين، حيث تعامل الموظف الافتراضي "رمّاس" مع أكثر من 13 مليون استفسار دون تدخل بشري. وبين المسارين، يبرز الذكاء الاصطناعي ركيزة في توجه الإمارات نحو بناء قطاع طاقة أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواكبة متطلبات المستقبل.
أكثر من ميل خلال يوم واحد
في قطاع النفط والغاز، تواصل شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية لرفع كفاءة عمليات الحفر والإنتاج، بما يدعم استدامة الإمدادات ويعزز أمن الطاقة العالمي.

وحققت الشركة إنجازاً جديداً بعد نجاحها في تنفيذ عمليات حفر روتينية لمقاطع آبار يتجاوز طولها ميلاً واحداً خلال يوم واحد، في عدد من أكثر الصخور الكربونية تعقيداً في دولة الإمارات.
وشملت هذه العمليات حفر6428 قدماً خلال 24 ساعة، في إنجاز غير مسبوق يعكس الجمع بين الخبرات التشغيلية للكوادر البشرية والبيانات المباشرة والتحليلات المتقدمة وحلول الذكاء الاصطناعي.
ويؤدي "مركز أدنوك للتحكم الذكي والفوري" دوراً محورياً في هذه العمليات، إذ يعمل المهندسون واختصاصيو التشغيل وخبراء المكامن على مدار 24 ساعة، مستفيدين من البيانات اللحظية لاتخاذ قرارات تشغيلية أسرع، وتحسين أداء الحفر، وتطبيق الدروس المستفادة من كل بئر على العمليات اللاحقة.
كما تعتمد "أدنوك" على منظومة متكاملة لإدارة البيانات التشغيلية، حيث توفر كل عملية حفر آلاف نقاط البيانات والرؤى الفنية، التي تُدمج مع الإمكانات الرقمية والخبرات البشرية لتسريع التعلم المستمر، وتحقيق مستويات أعلى من الكفاءة والسلامة والأداء البيئي.
وقال أحمد محمد العبري، الرئيس التنفيذي لشركة "أدنوك البرية" لوكالة أنباء الإمارات "وام"، إن "التكنولوجيا والبيانات والتعاون تمثل الركائز الأساسية لتحقيق التحسين المستمر في الأداء عبر مختلف مراحل عمليات أدنوك"، مؤكداً أن الجمع بين المعرفة العميقة بالمكامن وقدرات "أدنوك للحفر" يسهم في تحقيق أقصى قيمة من كل بئر وتسريع تطوير الطاقة الإنتاجية.
8 دقائق لاسترداد التأمين
وفي قطاع الخدمات، تواصل هيئة كهرباء ومياه دبي تنفيذ خارطة طريق استراتيجية تستهدف أن تصبح أول مؤسسة خدماتية قائمة على الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.

وأثمر هذا التوجه تقليص مدة استرداد مبالغ التأمين المستحقة، التي تصل إلى4000 درهم أي نحو الف دولار، من أربعة أيام إلى ثماني دقائق فقط، بما يعكس الأثر المباشر للتقنيات الذكية في تحسين تجربة المتعاملين وتسريع إنجاز الخدمات.
كما نجح الموظف الافتراضي الذكي "رمّاس" في التعامل مع أكثر من 13 مليون استفسار دون تدخل بشري منذ إطلاقه عام 2017، بعد مواصلة تطويره ودمج أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي فيه، بما في ذلك نظام "GPT-4o".
وتوظف الهيئة كذلك تقنيات "الذكاء الاصطناعي المساعد" عبر موقعها الإلكتروني وتطبيقاتها الذكية ومنصاتها الداخلية، بهدف رفع كفاءة الأداء المؤسسي، ودعم الموظفين، وتعزيز إنتاجيتهم، وتقديم خدمات أكثر سرعة ومرونة.
ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على التواصل مع المشتركين، بل يمتد إلى الصيانة التنبؤية، وإدارة الطلب، وتعزيز موثوقية شبكات الكهرباء والمياه، وتحسين التكامل بين المنظومتين، ودعم الدمج الأمثل للطاقة النظيفة والمتجددة.
ركيزة لمدن المستقبل
وأكد سعيد محمد الطاير، العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي لوكالة الأنباء الإماراتية "وام": أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً تقنياً تضيفه المؤسسات إلى أعمالها، بل أصبح ركيزة محورية وأساسية في بناء المدن الذكية والمستدامة، وتطوير منظومات خدمية أكثر كفاءة ومرونة واستباقية.
وأوضح الطاير أن خطط الهيئة تتكامل مع أجندة دبي الاقتصادية "D33"، واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، واستراتيجية الإمارات للحياد المناخي 2050، واستراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، واستراتيجية الحياد الكربوني 2050 لإمارة دبي.
ويعكس تكامل الجهود في قطاع الطاقة اتجاهاً أوسع في الإمارات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف حلقات القطاع، بدءاً من باطن الأرض وحفر الآبار، وصولاً إلى إدارة الشبكات والتعامل مع المشتركين.
نبض