انضمام العراق إلى "بريكس": فرص اقتصادية وتحديات جيوسياسية

اقتصاد وأعمال 02-08-2026 | 13:55

انضمام العراق إلى "بريكس": فرص اقتصادية وتحديات جيوسياسية

انضمام العراق إلى «بريكس» قد يشكل فرصة لتعزيز حضوره الاقتصادي الدولي وتنويع شبكة شركائه، لكنه لن يكون بديلاً من الإصلاح الداخلي.

انضمام العراق إلى "بريكس": فرص اقتصادية وتحديات جيوسياسية
عراقي يبوح بعلم بلاده في ساحة التحرير ببغداد. (فرانس برس)
Smaller Bigger

مع تسارع التحولات في موازين الاقتصاد العالمي، واتجاه دول عدة إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً من الهيمنة التقليدية للمؤسسات المالية الغربية، يبرز العراق بوصفه أحد البلدان الساعية إلى إعادة صياغة موقعه الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق، يتزايد اهتمام بغداد بالانضمام إلى مجموعة «بريكس»، التي باتت تمثل أحد أبرز مراكز الثقل في الاقتصاد العالمي. وكانت المجموعة قد تأسست بعضوية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قبل أن تتوسع لاحقاً لتضم دولاً جديدة من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا.

ويأتي الاهتمام العراقي في وقت يشهد فيه النظام الاقتصادي الدولي تحولات متسارعة، من أبرزها تنامي الدعوات إلى بناء نظام مالي أكثر تعددية، وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض المبادلات التجارية، وتعزيز التعاون بين اقتصادات دول الجنوب العالمي.

وتتزامن هذه التحولات مع سعي العراق إلى تنويع مصادر دخله، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير بنيته التحتية، وتحقيق اندماج أكبر في الأسواق الإقليمية والعالمية، بما ينسجم مع خطط الحكومة لتنشيط الاقتصاد وتقليل الاعتماد المفرط على العائدات النفطية.

 

رئيس الوزراء علي الزيدي يلقي كلمة بعد توليه المنصب في بغداد في 16 مايو 2026. (فرانس برس)
رئيس الوزراء علي الزيدي يلقي كلمة بعد توليه المنصب في بغداد في 16 مايو 2026. (فرانس برس)

 

النفط والجغرافيا ورقتا قوة

يمتلك العراق مجموعة من المقومات التي قد تجعل انضمامه إلى «بريكس» موضع اهتمام لدى دول المجموعة. فهو ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة «أوبك»، ويتمتع باحتياطيات كبيرة من النفط والغاز، ما يمنحه وزناً مهماً في أسواق الطاقة العالمية.

ولا تقتصر عناصر القوة العراقية على الثروة النفطية، إذ يتمتع البلد بموقع جغرافي استراتيجي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وأوروبا، ويمنحه أهمية متزايدة في مشاريع النقل والطاقة والتجارة العابرة للحدود.

ويأتي مشروع «طريق التنمية» في مقدمة المشاريع التي تراهن عليها بغداد لتعزيز هذا الدور، إذ تسعى من خلاله إلى إنشاء ممر تجاري دولي يربط الموانئ العراقية بتركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية، بما قد يحوّل العراق إلى عقدة لوجستية مهمة بين آسيا وأوروبا.

ويقول المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح لـ«النهار» إن «اهتمام العراق بالانضمام إلى مجموعة بريكس يُعد خطوة منطقية في إطار تنويع شراكاته الاقتصادية وتعزيز حضوره في الأسواق الناشئة، إلا أن العضوية ليست مضمونة ولا تبدو وشيكة، إذ ترتبط بتوافق الدول الأعضاء وتوقيت التوسع، إلى جانب اعتبارات تتعلق بالوزن الاقتصادي والدور السياسي للعراق».

ويشير صالح إلى أنه «حتى في حال الانضمام، فلن يكون ذلك حلاً مباشراً للتحديات الاقتصادية التي يواجهها البلد، إذ تبقى الإصلاحات الداخلية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، الركائز الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام».

 

«بريكس» ليست بديلاً من الإصلاح الاقتصادي

قد يمنح الانضمام إلى «بريكس» العراق فرصاً لتوسيع تجارته الخارجية، وجذب استثمارات من اقتصادات كبرى، والحصول على تمويل لمشاريع البنية التحتية والتنمية، ولا سيما من خلال بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة.

كما قد يتيح للعراق توسيع استخدام العملات المحلية في بعض المبادلات التجارية، وتقليل المخاطر الناتجة من الاعتماد الكامل على عملة واحدة في المعاملات الدولية. إلا أن هذه الفرص تبقى مرتبطة بقدرة بغداد على توفير بيئة اقتصادية وقانونية أكثر استقراراً وجاذبية للمستثمرين.

فعضوية المجموعة، بحد ذاتها، لا تعالج مشكلات الاقتصاد العراقي البنيوية، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على النفط، وضعف القطاع الخاص، والبيروقراطية، والفساد، وتراجع كفاءة المؤسسات والخدمات الأساسية.

ويواجه العراق أيضاً تحديات تتعلق بالاستقرار السياسي، وتداخل الصلاحيات، وتعقيد الإجراءات الاستثمارية، وهي عوامل قد تحدّ من قدرته على الاستفادة الكاملة من أي انفتاح اقتصادي توفره «بريكس».

من جهته، يقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي لـ«النهار» إن «اهتمام العراق بالانضمام إلى بريكس يعكس إدراكاً للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث تتجه المنظومة الدولية تدريجياً نحو تعدد الأقطاب الاقتصادية».

ويضيف أن «العراق، باعتباره دولة نفطية ذات موقع جغرافي استراتيجي، يسعى إلى تنويع شراكاته الاقتصادية والمالية، وعدم حصر علاقاته في محور اقتصادي واحد».

وبحسب السعدي، فإن «الانضمام إلى بريكس قد يفتح آفاقاً أوسع للتجارة والاستثمار والتمويل التنموي، ولا سيما عبر بنك التنمية الجديد التابع للمجموعة، إضافة إلى توسيع استخدام العملات المحلية في بعض المبادلات التجارية، بما يخفف تدريجياً من مخاطر الاعتماد على عملة واحدة في بعض المعاملات الدولية».

 

تحديات العضوية والتوافق السياسي

لا يرتبط الانضمام إلى «بريكس» بالموارد الطبيعية أو حجم الاقتصاد فحسب، بل يتطلب أيضاً استقراراً سياسياً، ومؤسسات اقتصادية أكثر كفاءة، وبيئة استثمارية قادرة على استقطاب رؤوس الأموال وحمايتها.

كما أن المجموعة لا تعتمد معايير ثابتة ومعلنة بصورة تفصيلية لقبول الأعضاء الجدد، إذ تخضع قرارات التوسع إلى توافق سياسي بين دولها، وإلى تقديرات تتعلق بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية لكل دولة مرشحة.

ويرى السعدي أن فرص العراق «موجودة، لكنها ليست مضمونة»، موضحاً أن بغداد تمتلك عناصر قوة مهمة، أبرزها الاحتياطيات النفطية الكبيرة، والموقع الذي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، ومشروع «طريق التنمية» الذي يمنحها أهمية لوجستية متزايدة.

لكن فرص الانضمام، وفق السعدي، ستتوقف على «قدرة العراق على تحقيق استقرار سياسي واقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنفيذ إصلاحات مالية ومؤسسية تعزز ثقة الشركاء الدوليين، فضلاً عن توافق أعضاء بريكس أنفسهم على أي توسع جديد».

 

معادلة التوازن بين الشرق والغرب

تمثل علاقات العراق الاقتصادية والمالية مع الولايات المتحدة والغرب أحد أبرز الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان عند دراسة التوجه نحو «بريكس».

ويقول صالح إن «العراق يُعد من دول البترودولار، ويقع ضمن المنظومة المالية التي يرتكز فيها قطاعه النفطي على التعامل بالدولار الأميركي، فضلاً عن ارتباطه بعلاقات اقتصادية واستثمارية مهمة مع الولايات المتحدة، ولا سيما في قطاعي النفط والتكنولوجيا».

وترتكز هذه العلاقات، بحسب صالح، على اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، وما تفرع عنها من اتفاقيات اقتصادية عدة خلال الفترة الأخيرة.

لذلك، يؤكد أن «أي توجه نحو بريكس ينبغي أن يُدار ضمن سياسة خارجية واقتصادية متوازنة، تراعي خصوصية علاقات العراق مع مختلف شركائه الدوليين، وتحافظ على هامش حركة دبلوماسي واقتصادي ينسجم مع مصالحه الوطنية وأولوياته التنموية، بعيداً من الاستقطابات الاقتصادية الدولية».

ويتفق السعدي مع هذا التوجه، مشدداً على أنه «ينبغي ألا يُنظر إلى بريكس كبديل عن الشراكات الاقتصادية مع الغرب، بل كإضافة إلى السياسة الاقتصادية العراقية».

ويخلص إلى أن المصلحة الوطنية تقتضي انفتاح العراق على مختلف التكتلات الاقتصادية الكبرى، مع الحفاظ على توازن علاقاته الدولية، بما يخدم التنمية، ويعزز تدفق الاستثمارات ونقل التكنولوجيا، بعيداً من سياسة المحاور.

وعليه، فإن انضمام العراق إلى «بريكس» قد يشكل فرصة لتعزيز حضوره الاقتصادي الدولي وتنويع شبكة شركائه، لكنه لن يكون بديلاً من الإصلاح الداخلي. فنجاح بغداد في الاستفادة من المجموعة، سواء حصلت على العضوية الكاملة أم طورت شراكتها معها، سيبقى مرهوناً بقدرتها على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، ومؤسسات أكثر كفاءة، وسياسة خارجية تحافظ على التوازن بين مصالحها المتشابكة شرقاً وغرباً.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/31/2026 11:21:00 PM
كشفت التحقيقات الأمنية في ريف درعا ملابسات مقتل الطفلة نور، بعدما اعترف عمها بارتكاب الجريمة، فيما أوقف والدها وعمها الثاني بتهمة التستر عليها
كتاب النهار 7/31/2026 5:26:00 PM
حملة الدايخ ليست أخلاقية، ومنع الإيجار عنه ربما قرار صائب لأنه ظهر في قلة أخلاق وفي مذهبية حاقدة.
أوروبا 7/31/2026 11:38:00 AM
أعادت أزمة سبتة ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الأوروبي، بعدما أدى تدفق آلاف المهاجرين إلى خلافات ديبلوماسية وتحركات أمنية وتساؤلات بشأن دور المغرب.
لبنان 7/31/2026 2:17:00 PM
ليس خافياً أن الدعم الأوروبي للمشروع يرتبط بتشجيع تعزيز الرقابة على الحدود والحد من عمليات تهريب السلاح والممنوعات والعبور غير الشرعي.