لماذا لا تعني الأرباح المتشابهة الشيء نفسه لثلاث شركات اتصالات سعودية؟
نتائج النصف الأول من 2026 تُظهر أن الأرباح لا تروي القصة نفسها دائماً؛ فبينما تتقارب شركات الاتصالات الثلاث الكبرى في السعودية على تحقيق نمو في صافي الربح، تختلف جذرياً في مصدر هذا النمو ونوعيته.
حققت مجموعة الاتصالات السعودية (stc) وشركة اتحاد اتصالات (موبايلي) وشركة زين السعودية جميعها نمواً في الأرباح خلال النصف الأول من عام 2026، لكن التدقيق في البيانات المالية يكشف عن ثلاثة مسارات مختلفة تماماً: نمو تشغيلي واسع مموّل بالدين في stc، وتوازن مالي منضبط في موبايلي، وأرباح مدعومة بعوامل غير متكررة في زين السعودية.
تُدرج الشركات الثلاث في السوق المالية السعودية "تداول"، وتمثل مجتمعة العمود الفقري لقطاع الاتصالات في أكبر اقتصاد خليجي، حيث تتجاوز إيرادات stc وحدها 40 مليار ريال (نحو 10.7 مليار دولار) في ستة أشهر فقط. الفارق في الحجم بين الشركة الأولى والثانية والثالثة يعكس أيضاً اختلافاً في طبيعة النموذج التجاري؛ فـ stc تحوّلت إلى مجموعة متكاملة تجمع الاتصالات والتقنية والبنية التحتية والخدمات المصرفية الرقمية، بينما تظل موبايلي وزين مشغلين تقليديين بدرجة أكبر.

الاتصالات السعودية: توسع استراتيجي يُثقل الربح المعلن مؤقتاً
ارتفعت إيرادات المجموعة 3.8% لتبلغ 40.11 مليار ريال، بمساهمة إيجابية من الشركة الأم في السعودية (+3.3%) والشركات التابعة (+4.6%)، فيما قفز الربح التشغيلي 7.8% ليصل إلى 7.77 مليار ريال (2.07 مليار دولار). لكن صافي الربح المعلن تراجع 2.1% في النصف الأول تحديداً بفعل ارتفاع تكاليف التمويل الناتج عن زيادة الاقتراض عبر إصدار الصكوك لدعم التوسع، بينما ارتفع صافي الربح فعلياً 6.3% بعد استبعاد البنود غير المتكررة. الفجوة بين الأداء التشغيلي القوي والربح المعلن الأضعف هي جوهر قصة stc هذا الربع.
الأهم أن التدفقات النقدية الحرة وسعت هامش المناورة المالي للشركة رغم زيادة الرافعة المالية من مستوى شبه معدوم (0.02x) إلى 0.38x، وهو ما يظل منخفضاً جداً مقارنة بمعايير القطاع عالمياً. أعلنت المجموعة توزيع 0.55 ريال للسهم عن الربع الثاني، بإجمالي 2.7 مليار ريال (720 مليون دولار) على المساهمين، في إشارة إلى أن الرافعة الإضافية لم تُقيّد سياسة التوزيعات. الاستثمارات الموازية في السحابة السيادية والاتصال عبر الأقمار الصناعية والشراكة مع "روشن" في الألياف الضوئية تفسّر جزئياً لماذا اختارت الإدارة تحمّل تكلفة تمويل أعلى الآن.

موبايلي: الكفاءة التشغيلية تتفوق على نمو المبيعات
تُظهر أرقام موبايلي النمط الأكثر انضباطاً بين الشركات الثلاث: نما صافي الربح في الربع الثاني 8.6% إلى 901 مليون ريال، مقابل 830 مليون ريال في الفترة المماثلة، مدفوعاً بنمو الإيرادات في قطاعات الأفراد والأعمال والجملة معاً. الأهم أن الربح التشغيلي الربعي نما 9.8% ليبلغ 978 مليون ريال، أي بمعدل أسرع من نمو الإيرادات نفسها، ما يعني أن كل ريال إضافي من المبيعات يُترجم إلى ربحية أعلى نسبياً.
ارتفع هامش EBITDA إلى 38.6% من 37.8%، وهو الأعلى بين الشركات الثلاث الظاهرة في البيانات المتاحة، فيما تراجعت الرافعة المالية (صافي الدين إلى EBITDA) من 1.00x إلى 0.89x، وهو ما دعم بدوره زيادة توزيعات الأرباح للسهم إلى 1.4 ريال للسهم بنمو 16.7%. نقطة تستحق المتابعة هي التذبذب الحاد في الإنفاق الرأسمالي بين الربعين، وهو ما لم تقدم الشركة تفسيراً واضحاً بشأنه حتى الآن.

زين السعودية: قفزة أرباح مصدرها غير تشغيلي في معظمه
سجلت زين السعودية أعلى نسبة نمو معلنة في الربح بين الشركات الثلاث بفارق كبير، إذ قفز صافي الربح في النصف الأول 84.1% إلى 405 مليون ريال (نحو 108 ملايين دولار)، وارتفع ربح الربع الثاني وحده 61% إلى 204 ملايين ريال (54.4 مليون دولار). لكن الإيرادات ظلت شبه ثابتة عند 5.3 مليار ريال، بل تراجعت طفيفاً 0.7%، ما يكشف أن نمو الأرباح لم يأتِ من توسع تجاري حقيقي.
الأهم من الرقم المعلن هو ما أوضحته الشركة نفسها: بعد استبعاد البنود غير المتكررة، يقتصر نمو صافي الربح على 8% فقط مقارنة بالنصف الأول من 2025، لا 84.1% كما يوحي الرقم الإجمالي. يعود الفارق الكبير بين الرقمين إلى نمو إجمالي الربح بنسبة 1.8% بدعم خدمات الجيل الخامس للأفراد، إلى جانب انخفاض تكاليف التمويل بنسبة 7% نتيجة تحسين هيكل المديونية، وهي عوامل مالية وتشغيلية جزئية وليست نمواً حقيقياً في قاعدة الإيرادات أو المشتركين. بلغت EBITDA للشركة 1.7 مليار ريال خلال الفترة، وهو الرقم الذي يتيح تقييماً أوضح لكفاءتها التشغيلية رغم عدم إفصاحها صراحة عن نسبة الهامش. هذا التمييز بين النمو المعلن والنمو المعدّل يجعل استمرارية أرباح زين بهذا الزخم أقل تأكيداً ما لم تتغير مسارات الإيرادات الأساسية.

لماذا يهم هذا التباين المستثمرين؟
القطاع ككل استفاد من بيئة أسعار فائدة وتحول رقمي داعم لخدمات الجيل الخامس والبيانات، لكن جودة الأرباح تختلف بشكل جوهري بين الشركات الثلاث من منظور الاستثمار طويل الأجل.
• جودة الأرباح: موبايلي تقدّم النموذج الأنظف، إذ ينمو الربح التشغيلي أسرع من الإيرادات في كل القطاعات دون الاعتماد على عناصر استثنائية.
• المخاطرة المالية: stc تحمّلت رافعة مالية أعلى لتمويل توسع استراتيجي طويل المدى، من السحابة السيادية إلى الأقمار الصناعية والبنك الرقمي، وهو رهان قد يثمر لاحقاً لكنه يضغط على الربح المعلن حالياً.
• استدامة النمو: النمو المعلن لأرباح زين السعودية البالغ 84.1% يتراجع إلى 8% فقط بعد استبعاد البنود غير المتكررة، ما يجعلها الأقل قابلية للتكرار بين الشركات الثلاث ما لم تتحسن قاعدة الإيرادات الأساسية.
نبض
