تذاكر أغلى، طائرات أقلّ وسماء مهدّدة بالإغلاق... استمرار الحرب الإقليمية يضرب السياحة العالمية
إغلاق المجال الجوّي يعني مسارات أطول، وساعات طيران إضافية، واستهلاكاً أكبر للوقود، ورسوم عبور وتأمين أعلى. وتتوقع "إياتا" أن يبلغ متوسط سعر وقود الطائرات 152 دولاراً للبرميل في 2026.
تُعدّ السياحة من أسرع القطاعات تلقّياً للصدمات الجيوسياسية، لأنها تبيع قبل كل شيء الأمان والقدرة على التخطيط. وعندما تُغلق الأجواء أو تتبدل مسارات الطيران خلال ساعات، لا تتضرر الوجهة الواقعة في قلب الحرب وحدها، بل تنتقل الصدمة عبر شبكة المطارات والفنادق وشركات الحجز والتأمين والنقل. وتأتي الأزمة بعدما كان القطاع قد استعاد زخمه بعد الجائحة؛ إذ سجّل العالم نحو 1.4 مليار رحلة سياحية دولية في 2024، وبلغت صادرات السياحة، بما فيها نقل الركاب، مستوى قياسياً قدره تريليونا دولار، أي نحو 23% من تجارة الخدمات العالمية.
صدمة تبدأ من الشرق الأوسط وتنتشر عالمياً
تكمن خطورة الحرب الحالية في موقعها الجغرافي. فممرات الخليج ومطارات دبي والدوحة وأبوظبي تشكّل عقداً أساسية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا وأستراليا. وعند اندلاع القتال، أُغلقت أو قُيّدت أجواء إيران والعراق ودول خليجية وإسرائيل، وأُلغيت آلاف الرحلات، فيما كان نحو 4 آلاف رحلة مقرراً أن تهبط في المنطقة في يوم واحد. ولم تعد الطائرات والأطقم في مواقعها الطبيعية، فتحوّل استئناف التشغيل نفسه إلى عملية لوجستية معقدة امتدّت آثارها إلى فرانكفورت وبالي وكاتماندو.
ومع تجدّد التصعيد، مددت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران تحذيراتها حتى نهاية آب/ أغسطس، داعية المشغلين إلى تجنب أجواء إيران والعراق ولبنان، وموسّعة نطاق التحذير ليشمل الأردن وأجزاءً واسعة من الخليج. وبحلول 20 تموز/ يوليو، كانت شركات الطيران الهندية وحدها قد ألغت نحو 26 ألف رحلة دولية بسبب قيود الأجواء، في مؤشر إلى أن الضرر لم يعد إقليمياً. وقد لخّص إيان بيتشينيك، المسؤول في "فلايت رادار 24"، المشكلة باعتبار أن الخطر التجاري الأكبر يكمن في استمرار الاضطراب فترة طويلة.

التذكرة الأغلى والطائرة الأندر
إغلاق المجال الجوّي يعني مسارات أطول، وساعات طيران إضافية، واستهلاكاً أكبر للوقود، ورسوم عبور وتأمين أعلى. وتتوقع "إياتا" أن يبلغ متوسط سعر وقود الطائرات 152 دولاراً للبرميل في 2026، بزيادة تقارب 70% عن 2025، وأن تقفز فاتورة الوقود لدى شركات الطيران من 252 ملياراً إلى 350 مليار دولار.
لذلك، يُتوقع ارتفاع عائد التذكرة، وهو مقياس لمتوسّط السعر، بنحو 7% عالمياً، فيما تهبط أرباح شركات الطيران الصافية من 45 مليار دولار في 2025 إلى 23 ملياراً في 2026. وقال المدير العام لـ«إياتا» ويلي والش إن شركات الخليج تبذل جهداً للحفاظ على الربط الجوي، لكن الآثار المالية الكبرى لا يمكن تجنبها.
أما ندرة الطائرات فلا تعني اختفاءها، بل نقص الطائرات الحديثة المتاحة والسعة الاحتياطية القادرة على تعويض الرحلات المعطلة. يتجاوز تراكم الطلبيات العالمية 18 ألف طائرة، وينقص الأسطول أكثر من 5 آلاف طائرة بديلة عالية الكفاءة كانت الشركات تعوّل عليها، فيما بلغ متوسط عمر الأسطول 15.2 سنة. وقد رفعت هذه الأزمة أسعار التأجير إلى مستويات قياسية، وزادت كلفة الصيانة، فيما كلّفت اضطرابات سلاسل الإمداد شركات الطيران ما لا يقل عن 11 مليار دولار في 2025.
وينتقل العبء مباشرة إلى المسافر. فمثلاً رفعت "كاثي باسيفيك" رسم الوقود على الرحلات المتوسطة من 34 إلى 80 دولاراً، وعلى الرحلات الطويلة من 73 إلى 174 دولاراً. ومع ارتفاع الأسعار وتكرار الإلغاء، يؤجل المسافر الحجز أو يختار وجهة أقرب، فتتراجع الإقامات الفندقية والإنفاق على المطاعم والتسوّق والفعاليات.
الخسارة تتجاوز المطارات
قدّرت مؤسسة Tourism Economics أن يخسر الشرق الأوسط 23 مليون زائر و34 مليار دولار من الإنفاق السياحي حتى لو انتهت الأزمة خلال أسبوع إلى ثلاثة أسابيع. وإذا امتدت شهرين، ترتفع الخسارة إلى 38 مليون زائر و56 مليار دولار، مع تراجع الوافدين بين 11 و27%، بدلاً من نموّ كان متوقعاً بنسبة 13%.
وتظهر العدوى في آسيا بوضوح: السياحة تمثل قرابة 13% من اقتصاد تايلاند و9% من اقتصاد فيتنام. وفي نيسان/أبريل، انخفض عدد زوار تايلاند 7% سنوياً، وهبط القادمون من الشرق الأوسط 57%. وهذا يعني أن الحرب تضرب سائقي سيارات الأجرة والمطاعم الصغيرة والعاملين الموسميين واحتياطيات العملات الأجنبية، لا شركات الطيران والفنادق الكبرى وحدها.

العشرة الخاسرة
تقرير "اتجاهات وسياسات السياحة 2026" الصادر عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، يضع إسرائيل في رأس لائحة الدول التي تراجع فيها عدد السيّاح بين 2019 والنصف الأول من 2026، بنسبة 71%، بما يوضح الأثر المباشر للنزاع، لكنه يضم أيضاً آيرلندا والأرجنتين والبيرو وتايلاند ودول البلطيق والولايات المتحدة، حيث تتداخل التداعيات المستمرة للجائحة وضعف الربط الجوي والأزمات الاقتصادية المتصلة بعوامل داخلية وخارجية، وأسعار التذاكر التي ارتفعت خصوصاً بسبب صدمة الطاقة التي سبّبها إعلاق مضيق هرمز.
هذا التصنيف يحدد الدول التي دخلت الأزمة الجديدة وهي لم تستعد أصلاً مستويات 2019؛ وبالتالي ستكون أقل قدرة على تحمّل تذاكر أغلى، وطائرات أقل، وموجة جديدة من إلغاء الرحلات.
نبض