من شركة قيمتها 1.08 مليار دولار إلى 320 مليون دولار: أين ذهب رهان "النمو أولاً" في نايس ون؟
تراجعت القيمة السوقية لشركة "نايس ون بيوتي" بنحو 70% خلال 18 شهراً فقط، من قمة تقييم تجاوزت 4 مليارات ريال (1.08 مليار دولار) عند الإدراج بعد تسجيلها خسائر فصلية متكررة اليوم، في وقت يدافع فيه مؤسسها عن استراتيجية "النمو قبل الربح".
في كانون الثاني (يناير) 2025، دخلت "نايس ون بيوتي للتسويق الإلكتروني" السوق المالية السعودية بقيمة سوقية بلغت نحو 4.04 مليار ريال (1.08 مليار دولار)، وسط إقبال لافت من المستثمرين على سهم شركة تجميل رقمية واعدة تنمو إيراداتها بمعدلات مزدوجة كل عام تقريباً. اليوم، وبعد أقل من عام ونصف، لا تتجاوز القيمة السوقية للشركة 1.2 مليار ريال (320 مليون دولار)، أي أن نحو 2.84 ملياري ريال (757 مليون دولار) من ثروة المساهمين تبخرت فعلياً من على الورق، بما يعادل خسارة قاربت 70% من القيمة الأصلية.
الرسم البياني لأداء السهم منذ الإدراج يروي القصة بصمت أبلغ من أي رقم: قمة حادة قرب 57 ريالاً (15.2 دولاراً) في الأسابيع الأولى بعد الطرح، ثم مسار هابط شبه متواصل يتخلله ارتدادات صغيرة لا تلبث أن تنهار من جديد، وصولاً إلى مستويات قريبة من 11-12 ريالاً (2.9-3.2 دولارات) حالياً. بمعنى آخر، كل ريال استثمره المساهم عند الاكتتاب أو قريباً منه يساوي اليوم أقل من ثلث قيمته الأصلية.
والمفارقة أن هذا التآكل الكبير في الثروة لم يصب الجميع بالتساوي. فبينما يتحمل المساهمون الذين اشتروا السهم عند الإدراج أو بعده هذه الخسارة الدفترية كاملة، كان المساهمون البائعون الأصليون، وعلى رأسهم الشقيقان عمر وعبدالرحمن العليان، إلى جانب شركات مملوكة للدكتور سليمان الحبيب وعائلته، قد حصدوا بالفعل نحو 1.02 مليار ريال (272 مليون دولار) من متحصلات البيع في الطرح، أي قبل أن يبدأ هذا التآكل بأشهر. مقابل ذلك، لم يدخل خزينة الشركة نفسها سوى 192.5 مليون ريال (51.3 مليون دولار) فقط، أي أن نحو 84% من أموال الاكتتاب ذهبت لجيوب من باعوا حصصهم، وليس لتمويل نمو الشركة.
أداء لا يستقر على حال
المشكلة لا تنتهي عند تراجع السهم، بل تمتد إلى النتائج التشغيلية نفسها التي تحولت إلى أشبه بأفعوانية مقلقة للمستثمرين. فبين الربع الأول والثاني من 2026 وحده، انقلبت الشركة من ربح صافٍ قدره 8.65 ملايين ريال (2.31 مليونا دولار) إلى خسارة 19.93 مليون ريال (5.31 ملايين دولار)، لتسجل بذلك ثاني خسارة فصلية شبه متتالية خلال عام واحد. وقبل ذلك بفصلين، أنهت الشركة عام 2025 بالكامل بصافي ربح لم يتجاوز 2.98 مليوني ريال (795 ألف دولار) فقط، بعدما كان قد بلغ 71.75 مليون ريال (19.13 مليون دولار) في 2024، أي تراجع بنسبة تقارب 96% خلال عام واحد رغم أن الإيرادات لم تتراجع بل ارتفعت قليلاً.

هذا التذبذب ليس ظاهرة عابرة ارتبطت بربع مالي سيئ، بل نمط متكرر يمكن تتبعه في القوائم المالية المدققة على مدى ثلاث سنوات كاملة، وهو ما يفسر لماذا يشعر كثير من المساهمين اليوم بأنهم لا يعرفون أي "نايس ون" سيقابلهم في الربع المقبل: نايس ون الرابحة أم نايس ون الخاسرة.

حكاية هامش يتآكل بصمت منذ 2023
للوهلة الأولى، تبدو نايس ون شركة ناجحة على مستوى المبيعات؛ فإيراداتها ارتفعت من 782.4 مليون ريال (208.6 ملايين دولار) في 2023 إلى 1.02 مليار ريال (271.1 مليون دولار) في 2025. لكن القصة الحقيقية لا تكمن في حجم المبيعات، بل فيما تبقى منها كربح بعد أن تُدفع الفواتير. فهامش الربح الإجمالي كان يتراجع بهدوء طوال هذه الفترة، من 27.7% في 2023 إلى 26.8% في 2024 ثم إلى 24.1% فقط في 2025. أي أن كل 100 ريال من المبيعات كانت تترك للشركة ربحاً أقل عاماً بعد عام، حتى قبل أن تُخصم مصاريف التسويق والإدارة.
وحين ننتقل إلى الربح التشغيلي، تتضح خطورة الصورة أكثر: قفز الهامش التشغيلي من 4.6% في 2023 إلى 7.9% في 2024 بفضل ضبط مؤقت للتكاليف، ليعود وينهار إلى 1% فقط في 2025. النتيجة أن صافي الربح، الذي كان قد قفز إلى 71.75 مليون ريال (19.13 مليون دولار) في 2024 مانحاً المساهمين انطباعاً بشركة في طريقها للتوسع المربح، تراجع إلى 2.98 مليوني ريال (795 ألف دولار) فقط في العام التالي، أي أن التحسن الذي احتفى به الجميع عند الإدراج تبخر خلال عام واحد فقط.

أين ذهبت الأرباح فعلياً؟
الإجابة تكمن في سباق إنفاق تسويقي متصاعد تخوضه الشركة للدفاع عن حصتها في سوق تشتد فيه المنافسة. فقد قفزت مصاريف البيع والتوزيع بنسبة 21.9% بين 2024 و2025 لتبلغ 172.06 مليون ريال (45.9 مليون دولار)، مقارنة بـ141.09 مليون ريال (37.6 مليون دولار) في العام السابق، في وقت لم تنمُ فيه الإيرادات بأكثر من 2%، ما رفع نسبة هذه المصاريف من الإيرادات من 14.1% إلى 17.6%. الشركة، ببساطة، باتت تدفع أكثر بكثير لتحافظ على نفس مستوى المبيعات تقريباً، وهو نفس النمط الذي تكرر في الربع الثاني من 2026 حين ارتفعت هذه المصاريف مجدداً بنسبة 19.2% رغم أن الإيرادات كانت تتراجع.
في موازاة ذلك، تضاعف تقريباً مخصص المخزون بطيء الحركة من 3.4 مليون ريال (906 آلاف دولار) إلى 6.4 مليون ريال (1.71 مليون دولار) بين 2024 و2025، بنمو 88%، وهو مؤشر صامت على تباطؤ دوران البضاعة في المستودعات وضغط إضافي على الهامش لا يظهر مباشرة في خط الإيرادات لكنه يأكل من الربحية شيئاً فشيئاً. أضف إلى ذلك أن المصاريف العمومية والإدارية واصلت الارتفاع بمعدلات تفوق نمو المبيعات في العامين، مدفوعة بتوسع الشركة في متاجر البيع بالتجزئة الفعلية.
لماذا يهم هذا المستثمرين؟
الصورة الأوسع تكشف أن حقوق الملكية للشركة تضاعفت أكثر من المرة بين 2024 و2025 لتصل إلى 380.4 مليون ريال (101.4 مليون دولار)، لكن هذا التحسن الظاهري في الميزانية العمومية لم يأتِ من تراكم أرباح تشغيلية قوية، بل من ضخ رأسمالي إضافي بقيمة 192.5 مليون ريال (51.3 مليون دولار)، معظمه علاوة إصدار. بعبارة أخرى، الميزانية تبدو أكثر متانة على الورق، لكن جودة الأرباح التي تولدها الشركة من نشاطها الأساسي هي التي تتراجع فعلياً.
النقطة الأكثر أهمية للمستثمرين اليوم هي أن نايس ون تخوض معركة مزدوجة: منافسة سعرية تضغط على زياراتها وطلباتها من جهة، وتوسع رأسمالي في متاجر التجزئة يرفع التكاليف الثابتة قبل أن يثبت جدواه الكاملة كمصدر نمو بديل من جهة أخرى.
النمو أولاً... هكذا يبرر العليان الاستراتيجية
هذا النهج ليس جديداً على الشركة، بل هو فلسفة أعلنها الشريك المؤسس عبدالرحمن العليان علناً أكثر من مرة قبل الإدراج وبعده. ففي مقابلته ضمن برنامج "الليوان" مع عبدالله المديفر على قناة روتانا خليجية، أوضح العليان أن أولوية الشركة هي النمو وليس الربح الفوري، قائلاً: "الأساس هو النمو. أنا الربح أقدر أجيبه بأي وقت، لو أوقف التسويق أقدر أربح ضعف الربح الحالي، بس ما أنمو 40%، أنمو 10% فقط". وأضاف أن مستهدف الشركة هو "النمو مع الربح" وليس توزيع الأرباح في المرحلة الحالية، مستشهداً بنماذج شركات تقنية أميركية كبرى ظلت تخسر لسنوات قبل أن تحقق أرباحاً ضخمة لاحقاً.
هذه الفلسفة تعود بجذورها إلى ما قبل الطرح بسنوات؛ ففي حلقة سابقة من بودكاست "سوالف بزنس" على راديو ثمانية، كشف العليان أن الشركة أنفقت نحو 100 مليون ريال (26.7 مليون دولار) على التسويق في عام 2022 وحده مقابل مبيعات بلغت نحو 500 مليون ريال (133.3 مليون دولار)، مؤكداً أن "التجارة اليوم تصرف عليها التسويق" وأن النمو في القنوات الإلكترونية لا يمكن تحقيقه دون إنفاق تسويقي كثيف.
انتقادات حادة من داخل السوق المالية
في المقابل، لم يسلم هذا الخطاب من انتقادات لاذعة من محللين ماليين بعد أن تحولت الأرقام إلى خسائر فعلية. فقد وجّه المحلل المالي المعتمد حسين الرقيب، على حسابه الخاص في منصة أكس، انتقاداً مباشراً معلقاً على تصريحات العليان بالقول إن "نتائج النصف الأول من 2026 جاءت بلا نمو وبلا ربح؛ فلا الشركة حققت النمو الذي تحدث عنه، ولا حافظت على الربحية"، متسائلاً: "ما الذي كان يبرر التقييم المرتفع وقت الطرح إذا كانت الشركة بعد الإدراج لم تحقق نمواً ولم تحقق ربحاً؟".
ولم يكتفِ الرقيب بوصف الموقف بأنه تراجع عابر، بل اعتبر أن "التحول من أرباح مرتفعة قبل الطرح إلى خسائر بعد الإدراج بفترة قصيرة يمثل كارثة استثمارية تستوجب فحصاً رقابياً ومالياً مستقلاً"، داعياً إلى التحقق من جودة الأرباح التي سبقت الطرح وطبيعة البنود التي دعمتها، ومراجعة نشرة الإصدار وتوقعات النمو مقارنة بما تحقق فعلياً بعد الإدراج. وأشار إلى أن سعر السهم طُرح عند 35 ريالاً (9.3 دولار) وأغلق عند 11.30 ريالاً (3.01 دولار) في وقت تعليقه، أي بخسارة قاربت 67.7% من قيمة استثمار المكتتب، معتبراً أن الأمر "يستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً... لحماية عدالة السوق ومحاسبة أي تقصير ومنع تكرار طرح شركات بأرباح لا تصمد بعد الإدراج".
وحتى تتضح نتائج هذا الرهان في صورة أرباح مستقرة، من المرجح أن يبقى السهم عرضة لتقلبات حادة فصلاً بعد فصل، تاركاً السؤال الأهم معلقاً: هل هذا تراجع دوري ستتجاوزه الشركة مع نضج استثماراتها كما يراهن مؤسسها، أم أن نموذج العمل نفسه بحاجة إلى إعادة تقييم كما يطالب منتقدوه؟
وتواصلت "النهار" مع الشركة للحصول على تعليق ولكنها لم تتلق أي رد لحين كتابة التقرير.
نبض