معضلة الممرات: صدمة الطاقة مستمرة و3 سيناريوات محتملة!
كل يوم يستمر فيه اضطراب هرمز وباب المندب يرفع كلفة الحياة على العالم، وليس فقط فاتورة النفط.
لم تعد الحرب التي اندلعت في 28 شباط/فبراير صدمة أسعار طاقية مؤقتة، إذ تحولت إلى اختبار لقدرة النظام الطاقي العالمي على العمل بعد تعطّل شريانه الأهم، بعدما هبطت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى 2.7 مليون فقط في المتوسط بين آذار/مارس وأيار/مايو، وبلغت الخسائر التراكمية من إمدادات الشرق الأوسط أكثر من 1.3 مليار برميل. وفي ذروة الأزمة وصل خام بحر الشمال إلى 144 دولاراً للبرميل، فيما استُنزفت المخزونات العالمية بنحو 3.8 ملايين برميل يومياً منذ بدء القتال.
تؤكد حركة الملاحة في المضيق أن الخطر لم ينتهِ؛ إذ عبر أقل من 10 سفن سلعية يومياً مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة، بينما انخفض عدد السفن العابرة لباب المندب إلى 11 سفينة فقط في أحد الأيام، وهو الأدنى منذ أشهر.
ثلاثة سيناريوات محتملة
السيناريو الأول - الاختناق المُدار: يبقى مضيق هرمز شبه مغلق، لكن تمر شحنات محدودة وتستمر خطوط الأنابيب والاحتياطات في تخفيف النقص. قد يعود برنت إلى نطاق 90–115 دولاراً، وهو مستوى ينسجم مع السيناريو المتشائم للبنك الدولي، الذي وضع متوسط السعر عند 115 دولاراً خلال 2026 إذا تباطأ تعافي الصادرات. النتيجة ستكون تضخماً أعلى، وتباطؤاً صناعياً في آسيا، وعودة دعم الوقود المكلف من دون انهيار شامل للإمدادات.
السيناريو الثاني - صدمة المضيقين: تزامن خنق هرمز مع تعطّل باب المندب واستهداف منشآت الساحل السعودي يهدد الطريق البديل للسعودية نفسها؛ فالرحلة من ينبع إلى تايوان تستغرق 19 يوماً عبر باب المندب، لكنها تقفز إلى 48 يوماً عند المرور بالسويس ثم الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وترتفع كلفة وقود الناقلة من 1.26 مليون إلى 2.87 مليون دولار، فضلاً عن نحو مليون دولار رسوماً لقناة السويس. عندها، يمكن النفط أن يعاود ملامسة قمة 144 دولاراً أو تجاوزها مؤقتاً، مع قفزات أكبر في الديزل ووقود الطائرات.
السيناريو الثالث - التدمير الممتد: خروج منشآت إنتاج وتكرير وتصدير إضافية من الخدمة، واستمرار الأزمة حتى الشتاء. عندئذ تتحول المشكلة من ارتفاع السعر إلى نقص فعلي، بما يفرض تقنين الوقود والكهرباء في دول كثيرة، خصوصاً في أوروبا، ويضغط على الطيران والشحن والصناعة. ويقدّر صندوق النقد أن ارتفاع فاتورة الطاقة في الاقتصادات المستوردة قد يقتطع نحو 3% من الناتج الحقيقي خلال فترة قصيرة، فيما قد يبلغ تضخم الاقتصادات النامية 5.8% إذا طال أمد التصعيد.

بدائل لا تعوّض هرمز
تملك الإمارات والسعودية مسارات الأنابيب العاملة الوحيدة القادرة على تجاوز المضيق، بطاقة احتياطية مجمعة تراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً. يسمح خط حبشان–الفجيرة للإمارات بتصدير نحو 1.8 مليون برميل يومياً، بينما رفعت السعودية صادرات ينبع من مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى أكثر من 5 ملايين مطلع حزيران/يونيو. لكن تهديد باب المندب يضعف ميزة المسار السعودي.
العقدة الأصعب هي الغاز المسال: عبر هرمز أكثر من 110 مليارات متر مكعب في 2025، تعادل قرابة خُمس التجارة العالمية، ولا توجد حالياً خطوط بديلة قادرة على إخراج هذه الكميات. لذلك سيكون الشتاء الآسيوي والأوروبي نقطة الاختبار الأخطر إن استمرت الأزمة.
وتشمل أدوات المواجهة إطلاق مزيد من الاحتياطات بعد الإفراج القياسي عن 400 مليون برميل، وزيادة صادرات الولايات المتحدة والبرازيل وكازاخستان، واستخدام خط سوميد والسويس ورأس الرجاء الصالح، ورفع إنتاج المصافي خارج الخليج. لكنها أدوات لشراء الوقت، فيما تظل الحلول المستدامة في خفض الطلب، وإعطاء القطاعات الأساسية أولوية الوقود، وتسريع الكهربة والطاقة المتجددة، واستبدال الدعم العام بتحويلات نقدية تستهدف الأسر الهشة.
من يدفع الفاتورة الأكبر؟
الأكثر تعرضاً من حيث الاعتماد هي اليابان وكوريا الجنوبية والهند وتايلاند وتايوان، إضافة إلى الصين بحكم الحجم، وإن كانت مخزوناتها وقدرتها على خفض الواردات تمنحها حماية أفضل. أما الأكثر هشاشة مالياً فهي باكستان وبنغلادش وسريلانكا والمالديف ونيبال وعدد من الدول الأفريقية المستوردة، حيث يضاعف ضعف العملات وصغر الاحتياطات أثر الأسعار. وفي أوروبا، تبدو إيطاليا والمملكة المتحدة أكثر حساسية لاعتمادهما الأكبر على الغاز في الكهرباء، مقارنة بفرنسا وإسبانيا.
في مسألة أكثر الدول إنفاقاً على الطاقة للفرد، يبدو أن الدول الغنية مرتفعة الاستهلاك ستسجل أكبر زيادة مطلقة بالدولار؛ فمع ثبات الكمية، تعني زيادة السعر النهائي 20% ارتفاع الإنفاق الفردي بالنسبة نفسها. لكن الضرر الاجتماعي الأكبر يقع في الاقتصادات الأفقر، لأن الأسر محدودة الدخل تنفق على الطاقة والغذاء ضعفي أو ثلاثة أضعاف الحصة التي تنفقها الأسر الغنية. وهكذا ترتفع حصة الطاقة من الدخل حتى عندما تضطر الأسر إلى خفض استهلاكها، فتضغط الصدمة على الغذاء والنقل والسكن معاً.
إن استمرار هذه الأزمة لا يعني نفطاً أغلى فحسب، بل إعادة تسعير شاملة لكلفة الحياة والإنتاج والتجارة العالمية، مع انتقال مركز الصدمة تدريجياً من أسواق الطاقة إلى التضخم والنمو والديون والأمن الغذائي.
نبض