بورصة قطر للألماس: رهان خليجي جديد في سوق عالمية تتجاوز 100 مليار دولار
دخلت قطر رسمياً سوق تجارة الألماس العالمية مع إعلان هيئة المناطق الحرة – قطر (QFZ)، الأحد، إطلاق بورصة قطر للألماس (QDE) في منطقة رأس بوفنطاس الحرة المجاورة لمطار حمد الدولي.
ويمثل إطلاق البورصة دخولاً خليجياً جديداً إلى صناعة الألماس العالمية شديدة التنافسية، التي ظلت لعقود تحت هيمنة مراكز تقليدية مثل أنتويرب البلجيكية، قبل أن تبرز دبي لاعباً رئيسياً فيها منذ عام 2021.

وتجمع البورصة بين خدمات التداول والعضوية والتخزين الآمن وإصدار الشهادات، وتهدف إلى الربط بين منتجي الألماس في أفريقيا وآسيا والمشترين في أوروبا والخليج، بحسب بيان الهيئة الذي نقلته وكالة الأنباء القطرية "قنا". ويأتي الإعلان بعد أشهرٍ من انضمام البورصة إلى مجلس الألماس العالمي (World Diamond Council) في أيار/مايو الماضي، في خطوة اعتُبرت تمهيداً لإطلاقها الرسمي هذا الأسبوع.
وتأتي الخطوة القطرية في وقت تشهد فيه صناعة الألماس العالمية تحولات بنيوية متسارعة، بين صعود الألماس المصنّع مخبرياً، والعقوبات المفروضة على روسيا كأكبر مصدّر للخام، وسعي مراكز جديدة لانتزاع حصة من سلسلة القيمة الممتدة من التعدين في أفريقيا إلى أسواق الاستهلاك في آسيا والغرب.
حجم السوق العالمية للألماس
تتفاوت تقديرات حجم سوق الألماس بحسب الجهة القائمة على القياس ونوع النشاط المُحتسب، إذ يميّز المحللون بين سوق تجارة الألماس الخام والمصقول وسوق مجوهرات الألماس النهائية للمستهلك. فبحسب مؤسسة "فورتشن بزنس إنسايتس" (Fortune Business Insights)، بلغ حجم سوق الألماس العالمية 102.06 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 106.76 مليارات دولار في عام 2026 و153.1 مليار دولار بحلول 2034. أما تقرير "غراند فيو ريسيرش" (Grand View Research) فيقدّر السوق بشكل مختلف عند 42.74 مليار دولار في 2025 و44.1 مليار دولار في 2026، مع نمو متوقع إلى 53.16 مليار دولار بحلول 2033. وتشير تقديرات مستقلة أخرى إلى أن سوق مجوهرات الألماس الاستهلاكية النهائية قد تصل قيمتها إلى نحو 408 مليارات دولار في 2026، مدفوعة بالطلب على مجوهرات الزفاف والهدايا.
يعكس هذا التباين في الأرقام طبيعة القطاع المتعدد الحلقة: من التعدين والتداول بالجملة إلى التصنيع والتصميم والبيع بالتجزئة، وهو ما يفتح لقطر فرصة التموضع في حلقة محددة من هذه السلسلة، أي التداول والتخزين والشهادات، بدلاً من منافسة السلسلة بكاملها دفعة واحدة.
وتكشف الأرقام أن الألماس ليس مجرد سلعة فاخرة بل صناعة عالمية متكاملة تمتد من مناجم أفريقيا وروسيا وكندا إلى مراكز التصنيع في الهند، وصولاً إلى أسواق التجزئة في الولايات المتحدة والصين والخليج واليابان. وبحسب تقرير مشترك لمجموعة "بوسطن الاستشارية" (Boston Consulting Group) ومجموعة "دي بيرز" (De Beers)، فإن الولايات المتحدة والصين والهند ودول الخليج واليابان تمثل أكبر خمس أسواق استهلاكية للألماس عالمياً، وهو ما يضع الخليج بالفعل في موقع استهلاكي متقدم قبل أن يخطو خطوته الأولى نحو التداول المنظم. وفي وقت يواجه فيه القطاع تحديات مثل تنافس الألماس المصنّع مخبرياً والعقوبات على روسيا كأكبر مصدّر للخام، تسعى مراكز تجارية جديدة إلى انتزاع حصة من سلسلة القيمة، وهو السياق الذي تدخل فيه الدوحة عبر بورصتها الجديدة.

دبي وأنتويرب: صراع الصدارة
سجلت تجارة الألماس عبر دبي رقماً قياسياً جديداً خلال عام 2025، بعدما بلغت قيمتها 41.7 مليار دولار، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 40.9 مليار دولار المسجل في عام 2011، وفق بيانات جمارك دبي التي أعلنها مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC). وارتفع حجم التداول إلى 359.5 مليون قيراط بنمو سنوي بلغ 42.5%، وهي المرة الأولى التي تسجل فيها الإمارة أعلى قيمة وأعلى حجم لتجارة الألماس معاً في عام واحد.
في المقابل، سجل مركز أنتويرب البلجيكي، الذي كان يمر عبره تاريخياً جزء كبير من الألماس الخام العالمي، تراجعاً حاداً في تجارته بنسبة 22.4% خلال عام 2025 إلى 19.1 مليار دولار، مقارنة بـ24.5 مليار دولار في عام 2024، بحسب بيانات مركز أنتويرب العالمي للألماس (AWDC). ويعني ذلك أن قيمة تجارة الألماس في دبي تجاوزت أنتويرب بأكثر من الضعف خلال العام نفسه، بعدما كانت الفجوة بين المركزين أقل اتساعاً في السنوات السابقة، إذ بلغت تجارة دبي 38.3 مليار دولار في عام 2023 في مقابل 32.5 مليار دولار لأنتويرب.
ويعزو مركز أنتويرب العالمي للألماس هذا التراجع إلى انخفاض الإنتاج العالمي للألماس الخام، وتوسع الألماس المصنّع مخبرياً بما ضغط على الأسعار، وتحول تدفقات الألماس الروسي بعيداً من السوق البلجيكية بعد عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة منذ مطلع عام 2024، والتي قال المركز إنها حرمت أنتويرب من نحو ثلث وارداتها من الألماس الخام. ومع ذلك، خفّت وتيرة التراجع في أنتويرب إلى 8.3% في النصف الثاني من عام 2025، مع تسجيل ارتفاع طفيف نسبته 3% في كانون الأول/ديسمبر مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024، ما قد يعكس مؤشرات استقرار مبكرة.
هل يمكن قطر الاستفادة من هذه السوق؟
تدخل قطر سوقاً تُقاس بعشرات مليارات الدولارات سنوياً في التداول وحده، لكنها تدخلها في مرحلة تتسم بمنافسة شديدة من مراكز راسخة كدبي وأنتويرب، وهو ما يجعل حجم الحصة الممكن انتزاعها غير مضمون في المدى القريب. ومع ذلك، تمنح بورصة قطر للألماس الدولة أدوات تنافسية ملموسة، منها الملكية الأجنبية الكاملة والإعفاء الضريبي الكامل للشركات المؤهلة، إضافة إلى موقعٍ لوجستي قريب من مطار حمد الدولي يسهّل الربط بين منتجي أفريقيا وآسيا ومشتري أوروبا والخليج. كما يعزز انضمام البورصة إلى مجلس الألماس العالمي في أيار/مايو 2026 صدقيتها التنظيمية أمام المستثمرين والتجار الدوليين منذ اليوم الأول لانطلاقها الرسمي.
يأتي إطلاق البورصة القطرية في وقت تتقدم فيه دول الخليج أساساً كأحد أكبر خمس أسواق استهلاك للألماس عالمياً إلى جانب الولايات المتحدة والصين والهند واليابان، بحسب تقرير "بوسطن الاستشارية" و"دي بيرز". ومع تصدُّر دبي تجارة الخام عالمياً وتسجيلها أرقاماً قياسية متتالية بلغت 41.7 مليار دولار في 2025، فإن دخول قطر إلى القطاع عبر بورصة منظمة ومعتمدة دولياً قد يرسّخ صورة الخليج كمنطقة متكاملة لتجارة الألماس، لا تقتصر على مركزٍ فحسب بل تضم عواصم عدة تكميلية تتنافس وتتعاون في آنٍ واحد. ويمنح هذا التوسع الجغرافي المنتجين في أفريقيا وآسيا خيارات أوسع لدخول الأسواق العالمية عبر أكثر من بوابة خليجية، وهو ما قد يرفع الثقل التفاوضي للمنطقة ككل في مواجهة مراكز التداول التقليدية في أوروبا وآسيا.
نبض