من 73 مليار دولار إلى 621 ملياراً: كيف تغيّر اقتصاد الإمارات في ثلاثة عقود؟

اقتصاد وأعمال 27-07-2026 | 15:32

من 73 مليار دولار إلى 621 ملياراً: كيف تغيّر اقتصاد الإمارات في ثلاثة عقود؟

ارتفع حجم الاقتصاد الإماراتي أكثر من ثمانية أضعاف خلال ثلاثة عقود، بالتوازي مع توسع الأنشطة غير النفطية وتعاظم دور التجارة والخدمات المالية والعقارات والسياحة، ثم برز في 2025 دور أوضح للاقتصاد الجديد والذكاء الاصطناعي ضمن النموذج الاقتصادي للدولة.

من 73 مليار دولار إلى 621 ملياراً: كيف تغيّر اقتصاد الإمارات في ثلاثة عقود؟
علم دولة الإمارات المتحدة - صورة أرشيفية
Smaller Bigger

شهد الاقتصاد الإماراتي خلال ثلاثة عقود توسعاً كبيراً في الحجم وتحولاً واضحاً في بنيته، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 73 مليار دولار في 1996 إلى ما يُقدّر بنحو 621 مليار دولار في 2026. ويعني ذلك أن حجم الاقتصاد الإماراتي تضاعف أكثر من ثماني مرات خلال ثلاثين عاماً، مدفوعاً بالتوسع في قطاعات التجارة والخدمات المالية والعقارات والنقل والسياحة والصناعة، إلى جانب استمرار مساهمة قطاع النفط والغاز.

 

الأنشطة غير النفطية تقود التحول

لكن الفارق الأهم لم يكن في الرقم فقط، بل في تركيب الاقتصاد نفسه. ففي 2025، قال وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي عبد الله بن طوق آل مري، عبر وكالة أنباء الإمارات "وام"، إن مساهمة الأنشطة غير النفطية بلغت 77.5% من الناتج المحلي الحقيقي، مع نمو غير نفطي نسبته 6.8% خلال العام، ما يعكس استمرار التحول بعيداً عن الاعتماد الحصري على النفط.

وتظهر التفاصيل القطاعية أن هذا التحول صار أوسع من مجرد نمو متزامن في قطاعات محددة. فقد قادت الإنشاءات النمو في 2025 بزيادة 11.1%، تلتها المالية والتأمين بنسبة 10.4%، ثم العقارات 7.9%، والنقل والتخزين 7.8%. في المقابل، بقيت التجارة أكبر مساهم في الناتج غير النفطي بنسبة 16.9%، تلتها المالية والتأمين بنسبة 13.2%، ثم البناء 12.9%، والصناعة التحويلية 12.8%.

ولم يعد هذا التحول مقتصراً على القطاعات التقليدية، بل اتسع ليشمل الخدمات المالية والتأمين، التي أصبحت من أكبر محركات النمو غير النفطي في 2025، إلى جانب الصناعات التحويلية التي واصلت تعزيز القاعدة الإنتاجية للاقتصاد. 

كذلك برزت الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الرقميّ والتكنولوجيا والابتكار بوصفها جزءاً من البنية الجديدة للنمو، في وقت قالت فيه السلطات الإماراتية إن الاقتصاد بات يستند أكثر إلى "الاقتصاد الجديد" والاستثمار في التحول الرقمي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والخدمات القائمة على البيانات.

 

منظر جوي لميناء جبل علي في دبي (رويترز)
منظر جوي لميناء جبل علي في دبي (رويترز)

 

 

 

 

الذكاء الاصطناعي رافعة مستقبلية

بالتوازي مع هذا التحول، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد محركات النمو المقبلة الأكثر طموحاً في الاقتصاد الإماراتي. فبحسب تقديرات "بي دبليو سي" (PwC) الواردة في استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، يُتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 353 مليار درهم (ما يعادل 96 مليار دولار أميركي تقريباً) إلى الناتج المحلي الإجمالي الوطني بحلول 2030، أي ما يمثل 13.6% من الناتج المحلي المتوقع في تلك السنة. وتُعدّ الإمارات - وفق التقديرات نفسها - الاقتصاد الأكثر استفادة نسبياً من الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط، متقدّمة على السعودية التي تُقدَّر مساهمة الذكاء الاصطناعي فيها بنحو 12.4% من الناتج المحلي.

وإلى جانب هذا الأثر الكليّ على الناتج، تضع "استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031"، التي انطلقت في 2017 كأول استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، هدفاً محدداً بتحقيق مكاسب اقتصادية إضافية قدرها 335 مليار درهم في الناتج الاقتصادي بحلول 2031، عبر دمج التقنية في تسعة قطاعات ذات أولوية، تشمل الصحة والنقل والفضاء والطاقة المتجددة والمياه والتكنولوجيا والتعليم والبيئة والمدن الذكية. ويكمّل هذا الهدف مستهدفاً أوسع يتمثل في رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 20% من الناتج غير النفطي بحلول 2031؛ وهو ما يوازي عملياً خلق قطاع اقتصادي جديد بالكامل خلال أقل من عقد.

ولتحقيق هذه الأهداف، أسست الإمارات أول وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم، إلى جانب مجلس متخصص يتولى الإشراف على دمج التقنية في القطاعات الحكومية والتعليمية، بما يعكس مستوى غير معتاد من الالتزام المؤسسي الرسمي بهذا الملف. وتشير تقديرات قطاعية إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في الإمارات ينمو بمعدل سنويّ مركب يقارب الـ 44%، ليتوسّع من نحو 12.7 مليار درهم في 2023 إلى ما يقدَّر بـ170 مليار درهم بحلول 2030، بما يعكس تسارعاً حادّاً في الاستثمار والتبني التجاري للتقنية.

ويُظهر تحليل قطاعي أعمق أن قطاعي البناء والصناعة التحويلية يُتوقع أن يستحوذا على نحو ثلث إجمالي المكاسب الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في المنطقة، بما يقارب 100 مليار دولار بحلول 2030، بينما تشهد قطاعات التجزئة والتجارة والقطاع العام أعلى معدلات النمو النسبي في الإنتاجية المرتبطة بالتقنية. ويبقى هذا المسار مرتبطاً بشكل مباشر بأجندة "نحن الإمارات 2031" ورؤية "مئوية الإمارات 2071"، إذ يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة تمكينية عابرة للقطاعات، لا كنشاط اقتصادي منفصل، بما يجعله إحدى أهم الروافع المرشّحة لدعم استمرار معدلات النمو غير النفطي المرتفعة التي سجّلها الاقتصاد الإماراتي في 2024 و2025.

 

قاعدة استثمارية تتسع

من الزاوية نفسها، لا تبدو قصة الإمارات في 2025 قصة أرقام فقط، بل قصة قاعدة اقتصادية أوسع. فبحسب "وام"، دخل أكثر من 220 ألف شركة جديدة إلى السوق الإماراتية بين يناير ونوفمبر 2025، وهو مؤشر إضافي إلى عمق الجاذبية الاستثمارية، خصوصاً في قطاعات الخدمات واللوجستيات والتمويل والسياحة.

وقالت أسيل العرنكي، مديرة قسم الأبحاث والتحليل في ريفر برايم، لـ"النهار"، إن مساهمة الأنشطة غير النفطية بنحو 77% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 تعكس تحولاً هيكلياً في الاقتصاد الإماراتي، ما يجعل الاقتصاد الإماراتي أقل تأثراً بتقلبات أسعار النفط مقارنة بالسنوات السابقة. وأضافت أن النمو بات يستند بصورة أكبر إلى قطاعات مثل النقل والتخزين والبناء والخدمات المالية، وهو ما يعزز قاعدة النشاط الاقتصادي ويحدّ من الاعتماد على الدورة النفطية.

وأوضحت بأن استمرار توسع القطاعات غير النفطية يعزز جاذبية الإمارات للاستثمارات الأجنبية، ولا سيما في مجالات الخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والتمويل والسياحة، بما يدعم تنويع مصادر النمو ويعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

وأضافت العرنكي لـ"النهار" أن الحفاظ على هذا الزخم سيظل مرتبطاً بقدرة الإمارات على تحقيق مستهدفاتها الاقتصادية الطموحة، مع مواصلة الانضباط المالي وإدارة الاستثمارات بكفاءة في ظل بيئة عالمية أكثر تنافسية وارتفاعاً في أسعار الفائدة. وأشارت إلى أن استمرار التنويع الاقتصادي، إلى جانب الاستثمار في الإنتاجية ورأس المال البشري والابتكار والحفاظ على بيئة أعمال تنافسية، سيبقى عاملاً رئيسياً لدعم النمو المستدام على المدى الطويل، مع تجنب الإفراط في التوسع بالقطاعين العقاري والإنشائي بما يحافظ على متانة الاقتصاد.

 

الرؤية المستقبلية: من الشعارات إلى الأهداف القابلة للقياس

على مستوى الرؤية المستقبلية، تواصل الإمارات دفع مشروعها الاقتصادي عبر خطط وطنية ومحلية بأهداف رقمية دقيقة وأطر زمنية محددة، من دون بيانات عمومية فضفاضة. فرؤية "نحن الإمارات 2031"، التي تُبنى على أربع ركائز أساسية، تشمل "مجتمع المستقبل" و"اقتصاد المستقبل" و"دبلوماسية المستقبل" و"منظومة المستقبل"، تستهدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي من 1.49 تريليون درهم إلى 3 تريليونات درهم بحلول 2031، إلى جانب توليد 800 مليار درهم من الصادرات غير النفطية، ورفع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي إلى 450 مليار درهم، وزيادة قيمة التجارة الخارجية إلى 4 تريليونات درهم.

على المستوى المحلي، أطلق محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، "أجندة دبي الاقتصادية D33" كخريطة طريق مدتها 10 سنوات، تهدف إلى مضاعفة اقتصاد الإمارة إلى 32 تريليون درهم بحلول 2033، وتثبيت مكانة دبي بين أفضل ثلاث مدن عالمية. وتتضمن الأجندة أهدافاً تفصيلية تشمل رفع التجارة الخارجية للسلع والخدمات من 14.2 تريليون درهم في العقد الماضي إلى 25.6 تريليون درهم في العقد المقبل، ورفع متوسط الاستثمار الأجنبي المباشر السنوي من 32 مليار درهم إلى 60 مليار درهم، بما يراكم إجمالي 650 مليار درهم بحلول 2033. كما تستهدف الأجندة زيادة الإنفاق الحكومي من 512 مليار درهم إلى 700 مليار درهم، ورفع استثمارات القطاع الخاص من 790 مليار درهم إلى تريليون درهم، وزيادة الطلب المحلي على السلع والخدمات من 2.2 تريليون درهم إلى 3 تريليونات درهم، إضافة إلى توليد مساهمة سنوية بقيمة 100 مليار درهم من مشاريع التحول الرقمي، عبر أكثر من 100 مشروع تحويلي. 

في السياق نفسه، تعكس بيانات 2025 أن هذه الخطط لا تنطلق من فراغ، بل تُبنى فوق قاعدة نمو قائمة فعلاً. فبحسب بيانات متداولة، استناداً إلى مؤشرات الاقتصاد الكلي الإماراتي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.9 تريليون درهم (نحو 517 مليار دولار) في 2025، بنمو 6.2% مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفع الناتج غير النفطي إلى 1.5 تريليون درهم مدفوعاً بالتجارة والتمويل والعقارات والبناء. ويتقارب هذا المستوى مع ما رصده البنك الدولي في تقديره الأخير، الذي أشار إلى نمو حقيقي بلغ 5.6% في 2025، مدعوماً بنمو غير نفطي بلغ 6.1% ونمو نفطي أكثر تحفظاً بلغ 4.1%.

هذا الأداء يمنح أهداف 2031 و2033 أرضية تشغيلية أكثر من كونها شعارات مستقبلية معلقة في الفراغ، إذ يفترض المسار الحالي أن الوصول إلى الناتج المحلي المستهدف عند 3 تريليونات درهم بحلول 2031 يتطلب استمرار معدلات نمو تقارب ما تحقق في 2025، مع تعميق دور القطاعات غير النفطية التي تجاوزت بالفعل ثلاثة أرباع الاقتصاد الوطني. 

 

معرض
معرض

 

توقعات 2026

تتوقع المؤسسات الرسمية والدولية معدلات نمو متفاوتة للاقتصاد الإماراتي في 2026. ويتوقع المصرف المركزي الإماراتي، في مراجعته الاقتصادية الفصلية الصادرة في حزيران/يونيو 2026، نمواً حقيقياً بنسبة 1.7% للناتج المحلي الإجمالي هذا العام، على أن يتسارع إلى 9.8% في 2027.

في المقابل، يتوقع صندوق النقد الدولي، في تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في نيسان/أبريل 2026، نمواً بنسبة 3.1% للاقتصاد الإماراتي هذا العام، في ظل سيناريو مرجعي يفترض احتواء النزاعات الإقليمية بصورة محدودة. ويشير الصندوق إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستسجل عموماً نمواً متواضعاً عند 1.1% في 2026، ما يجعل معدل النمو الإماراتي أعلى من المتوسط الإقليمي.
أما وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، فقدّمت في شباط/فبراير 2026 توقعاً بنمو 5.7% للاقتصاد الإماراتي هذا العام، مدعوماً بارتفاع إنتاج النفط واستمرار الإنفاق العام، على أن يتراجع المعدل إلى 4.3% في 2027. 

في المقابل، تورد مصادر دولية أخرى تقديرات مختلفة، بينما تتداول منصات اأخرى رقماً اسمياً أقرب إلى 621 مليار دولار، لكنه يظلّ غير رسمي.

 

ما بعد 2026


تكشف الأرقام والمحطات المتراكمة على مدى ثلاثين عاماً أن قوة الاقتصاد الإماراتي لا تكمن في تجنّب الأزمات، بل في القدرة على إعادة التموضع بعدها. فمن أزمة ديون دبي في 2009، إلى تقلبات أسعار النفط، وصولاً إلى الاضطرابات الجيوسياسية التي أثقلت على تقديرات 2026 نفسها، تعامل الاقتصاد الوطني مع كل محطة بوصفها دافعاً إضافياً لتعميق التنويع لا مبرراً للتراجع عنه.

ويواصل الاقتصاد الإماراتي تعزيز قدرته على مواجهة المتغيرات الإقليمية والعالمية، مستنداً إلى احتياطات مالية وخارجية قوية، ونظام مصرفي يتمتع بالمرونة، وهو ما يعزز قدرة الدولة على استيعاب الصدمات والحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية. كما يؤكد استمرار تنفيذ الخطط الاقتصادية طويلة الأمد، وفي مقدمتها "نحن الإمارات 2031" و"أجندة دبي D33" و"استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2031"، انتقال الاقتصاد إلى مرحلة جديدة ترتكز على التكنولوجيا والابتكار والتمويل والتجارة، مع ترسيخ مكانة القطاعات غير النفطية كمحرك رئيسي للنمو وتقليل الاعتماد التدريجي على دورات أسواق الطاقة.

وفي المحصلة، لا يتمثل الرهان الأساسي للاقتصاد الإماراتي في استمرار النمو فحسب، بل في تعزيز استدامته وقدرته على تحقيق مستويات أعلى من التنويع والابتكار والاستقلالية عن التقلبات الخارجية. وبعد ثلاثة عقود من التحولات الاقتصادية المتسارعة، تبدو الإمارات أمام فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً وتنافسية، مدعوماً بالاستثمار في التكنولوجيا ورأس المال البشري والبنية التحتية، بما يعزز موقعها كمركز اقتصادي عالمي خلال المرحلة المقبلة.



الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/26/2026 2:12:00 PM
بعد 13 يوماً من الضربات المتواصلة، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً مفاجئاً بتعليق الهجمات على إيران. فما الذي غيّر حسابات واشنطن؟
اقتصاد وأعمال 7/27/2026 9:39:00 AM
ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا يوضح لـ"النهار"
أوروبا 7/26/2026 2:17:00 PM
أصدرت الشرطة مواصفات للمشتبه به، مشيرة إلى أنه نحيف البنية، يبلغ طوله نحو 1.90 متر، ذو شعر أسود، وكان يرتدي سترة سوداء بغطاء للرأس (هودي) وسروالاً أبيض.
لبنان 7/26/2026 6:24:00 AM
بعد أيام من درجات حرارة مرتفعة، استيقظ اللبنانيون، وبينهم سكان بيروت، على أجواء غير مألوفة في أواخر تموز، مع أمطار خفيفة وانخفاض ملحوظ في الحرارة، فيما شهدت مناطق شمالية زخات أكثر غزارة غيّرت المشهد الصيفي لساعات