مراكز البيانات أدارت دفة الاستثمار الأجنبي العالمي في 2025
تجاوزت قيمة الاستثمارات المعلنة في مراكز البيانات وحدها 270 مليار دولار خلال 2025، بما يعادل أكثر من خُمس قيمة مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة عالمياً.
يعيد الذكاء الاصطناعي توجيه الاستثمارات الدولية بين الدول والقطاعات. ويُظهر تقرير الاستثمار العالمي 2026، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" أن مراكز البيانات سجلت خلال 2025 أكبر زيادة في قيمة مشروعات الاستثمار الأجنبي الجديدة وتمويل المشروعات الدولية، بنحو 235 مليار دولار مقارنة بعام 2024، متقدمة بفارق هائل على النفط والغاز الذي ارتفع بنحو 38 مليار دولار، وأشباه الموصلات التي زادت 13 ملياراً فقط.
ويقر التقرير بأن هذه القفزة تعكس سباقاً عالمياً لبناء البنية التحتية الضرورية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، من الخوادم والرقائق المتقدمة إلى شبكات الألياف الضوئية ومحطات الطاقة وأنظمة التبريد. وقد تجاوزت قيمة الاستثمارات المعلنة في مراكز البيانات وحدها 270 مليار دولار خلال 2025، بما يعادل أكثر من خُمس قيمة مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة عالمياً.
استثمارات أقل انتشاراً وأكثر تركّزاً
ربما توحي الأرقام بأن الاستثمار العالمي يعيش انتعاشاً واسعاً، إلا أن الصورة أشد تعقيداً: ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 6% إلى نحو 1.6 تريليون دولار في 2025، بعد عامين من التراجع، لكن الزيادة تركزت في عدد محدود من المشروعات العملاقة والاقتصادات المتقدمة؛ إذ ارتفعت التدفقات إلى الدول المتقدمة 11%، مقابل نمو لم يتجاوز 2% في الاقتصادات النامية، التي استقطبت نحو 901 مليار دولار.

وهذا الأمر يكشف عن اقتصاد استثماري بسرعتين: اقتصاد رقمي يجذب عشرات المليارات إلى مراكز البيانات والرقائق والشبكات، واقتصاد تقليدي يعاني ارتفاع كلفة التمويل وتباطؤ التجارة وعدم اليقين الجيوسياسي. وبحسب البيانات المرفقة بالتقرير، تراجعت قيمة مشروعات البنية التحتية بنحو 55 مليار دولار، كما انخفضت الصناعات كثيفة الاعتماد على سلاسل القيمة العالمية بالمقدار نفسه، فيما خسرت الطاقة المتجددة تمويلات قيمتها 37 مليار دولار، والعقارات 31 ملياراً، والمعادن الحرجة 5 مليارات.
ولم تعد القطاعات المتصلة بالذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية جزءاً صغيراً من أجزاء الاستثمار الدولي. فقد ارتفعت حصة القطاعات الاستراتيجية من قيمة المشروعات الجديدة عالمياً من 16% في 2020 إلى 44% في 2025، وقفزت قيمتها من 109 مليارات دولار إلى 576 ملياراً في 5 أعوام. وتشمل هذه القطاعات: بنية الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والتقنيات المتقدمة، والمعادن الحرجة، وتقنيات التحول في الطاقة.
فرصة اقتصادية تحمل مخاطر جديدة
تمنح مراكز البيانات الدول المضيفة استثمارات ضخمة في الكهرباء والاتصالات والعقارات الصناعية، وتخلق طلباً على المهندسين وخدمات الأمن السيبراني والحوسبة السحابية. لكنها تختلف عن المصانع التقليدية؛ فهي شديدة الكثافة الرأسمالية، فيما يظل عدد الوظائف المباشرة التي توفرها محدوداً نسبياً بعد اكتمال البناء. لذلك، لا يكفي جذب مركز بيانات عملاق، بل يجب ربطه بمنظومة محلية تضم الجامعات والشركات الناشئة وموردي الخدمات الرقمية.
كما تفرض الطفرة ضغوطاً على شبكات الكهرباء والمياه والأراضي، خصوصاً أن تشغيل الخوادم المتقدمة وتبريدها يحتاجان إلى إمدادات مستقرة وكبيرة. وقد يؤدي التوسع السريع إلى منافسة بين مراكز البيانات والقطاعات السكنية والصناعية على الطاقة، ما لم تُربط المشروعات باستثمارات موازية في الشبكات ومصادر التوليد.
وتبقى الأرقام المعلنة مؤشراً إلى النيات الاستثمارية وليست ضماناً لتنفيذ جميع المشروعات. لكنها تؤكد تحولاً تاريخياً: رأس المال العالمي لم يعد يلاحق العمالة الرخيصة والأسواق العقارية فقط، بل يبحث عن الكهرباء والرقائق والبيانات والقدرة الحاسوبية. ومن يمتلك هذه العناصر سيحجز موقعه في خريطة الاستثمار الجديدة التي يصنعها الذكاء الاصطناعي.
نبض