شراء منزل عائلي في العالم العربي حلم يحتاج بين 86 عاماً في سوريا و8 أعوام في العراق!

اقتصاد وأعمال 26-07-2026 | 10:42

شراء منزل عائلي في العالم العربي حلم يحتاج بين 86 عاماً في سوريا و8 أعوام في العراق!

لم يعد امتلاك منزل عائلي في العالم العربي مرتبطاً بقدرة الأسرة على الادخار. تحوّل هذا الأمر إلى هدف يكاد يكون مستحيلاً من دون تمويل طويل الأجل، أو دعم حكومي، أو ثروة موروثة

شراء منزل عائلي في العالم العربي حلم يحتاج بين 86 عاماً في سوريا و8 أعوام في العراق!
غرفة جلوس في منزل دمشقي بسوريا (أ ف ب)
Smaller Bigger

يكشف تقرير "المدن العالمية 2026: أزمة السكن العالمية – مسارات العمل"، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية "موئل الأمم المتحدة"، أن الفجوة بين أسعار المساكن ودخول الأسر وصلت إلى مستويات شديدة الارتفاع في دول عربية عدة. 

بحسب الأرقام الواردة في الملحق الإحصائي للتقرير، تتصدر سوريا قائمة البلدان العربية الأشد صعوبة في شراء منزل، إذ يعادل سعر المنزل المتوسط دخل الأسرة السنوي مدة 86.7 عاماً. ويأتي لبنان ثانياً بنحو 18.3 عاماً، ثم الجزائر (16 عاماً) والمغرب (14.2 عاماً) ومصر (12 عاماً). وتضم المراتب التالية تونس، حيث تحتاج الأسرة نظرياً إلى 11.9 عاماً من كامل دخلها لشراء منزل، ثم الكويت (11.5 عاماً) والسودان (9.2 أعوام) والبحرين (8.6 أعوام) والعراق (8.1 أعوام).

 

ماذا تعني عبارة "السنوات اللازمة لشراء منزل"؟

لا يقيس المؤشر المدة الفعلية التي تستغرقها الأسرة في سداد قرض سكني، فهو يمثل نسبة سعر المنزل المتوسط إلى متوسط الدخل السنوي للأسرة. فعندما تبلغ النسبة 12 في مصر، يعني ذلك أن ثمن المنزل المتوسط يعادل دخل الأسرة الكامل على مدى 12 عاماً، على افتراض غير واقعي بأنها لن تنفق شيئاً على الغذاء أو التعليم أو النقل أو الصحة أو الضرائب.

ويعرّف الملحق الإحصائي للتقرير المؤشر بأنه حاصل قسمة سعر المنزل الوسطي على الدخل السنوي الوسطي للأسرة. لذلك، فهو أداة للمقارنة بين البلدان، وليس جدولاً زمنياً حقيقياً للادخار أو التمويل العقاري. ويُستخدم عالمياً مستوى يقارب ثلاثة أضعاف الدخل السنوي معياراً تقليدياً لسعر المسكن المقبول. وبذلك، تتجاوز البلدان العربية العشرة الواردة في القائمة هذا المعيار بفارق كبير؛ فسعر المنزل في سوريا يقترب من 29 ضعف المستوى المقبول، وفي لبنان يتجاوز ستة أضعافه، وفي الجزائر أكثر من خمسة أضعافه، بينما يبلغ أربعة أضعافه في مصر.

 

مبنى سكني بالدار البيضاء في المغرب. (أ ف ب)
مبنى سكني بالدار البيضاء في المغرب. (أ ف ب)


سوريا حالة استثنائية

 

تبدو سوريا حالة منفصلة عن باقي بلدان القائمة: مدة 86 عاماً و7 أشهر تعادل نحو 1039 شهراً من الدخل الأسري الكامل، وهي أعلى بنحو 7.7 أضعاف المتوسط العالمي البالغ 11.2 عاماً.

كما تزيد النسبة السورية بنحو 4.7 أضعاف على نظيرتها اللبنانية، رغم أن لبنان يحتل المرتبة العربية الثانية. ويبلغ الفارق بين البلدين أكثر من 68 عاماً. وهذا يدل على أن الرقم السوري ليس مجرد امتداد لأزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، إنما بنتج من اختلال استثنائي بين قيمة العقارات ومستويات الدخل.

هذا لا يعني بالضرورة أن جميع المنازل في سوريا أغلى بالقيمة المطلقة من نظيراتها العربية، فالمشكلة الأساسية تكمن في ضآلة الدخل الأسري مقارنة بأسعار الأصول العقارية. وربما يكون المنزل أقل سعراً بالدولار من منزل مماثل في دولة خليجية، لكنه أعلى كلفة كثيراً عند قياسه بعدد سنوات العمل والدخل اللازمة لشرائه.

 

مشهد عام لمنزل في جبل لبنان معروض للبيع (أرشفية)
مشهد عام لمنزل في جبل لبنان معروض للبيع (أرشفية)

 

 

لبنان… الأسعار تتعافى أسرع من دخول الأسر

 

في لبنان، ارتفعت نسبة سعر المنزل إلى الدخل من 13.2 مرة في 2020 إلى 18.3 مرة في 2023، بعدما كانت 16.2 مرة في 2015. وفي الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الأسر التي تتحمل أعباء سكنية مرتفعة من 20.4% في 2010 إلى 27.8% في 2023، بحسب التقرير.

تظهر هذه الأرقام اتساع الفجوة بين القيمة السوقية للعقارات وقدرة الأسر على الدفع. فالمسكن المتوسط يعادل اليوم أكثر من 18 سنة من الدخل الكامل، أي أعلى بنحو 63% من المتوسط العالمي.

وتزداد المشكلة صعوبة عندما تكون العقارات مسعّرة بعملة مستقرة، بينما تحصل الأسر على أجورها بعملة محلية أو بدخل لم يواكب ارتفاع الأسعار. كما أن ضعف سوق القروض السكنية الطويلة الأجل يحول الفجوة النظرية بين السعر والدخل إلى عائق فعلي أمام تملك الشباب والأسر الجديدة.

 

شمال أفريقيا في قلب أزمة القدرة الشرائية

 

تحتل الجزائر والمغرب ومصر وتونس أربع مراتب متقدمة في القائمة، بنسب تتراوح بين 11.75 و16 سنة من دخل الأسرة. وتكشف هذه النتائج أن المشكلة لا تقتصر على البلدان التي تعرضت لصراعات أو انهيارات اقتصادية، بل تشمل أيضاً أسواقاً تتمتع بقطاع بناء نشط وبرامج إسكان عامة.

في الجزائر، يعادل المنزل 16 سنة من الدخل، أي أعلى بنحو 43% من المتوسط العالمي. وفي المغرب يبلغ المؤشر 14 عاماً وشهرين، أعلى بنحو 26% من المتوسط العالمي. أما مصر فتسجل 12 عاماً، وتونس 11 عاماً و9 أشهر.

ويشير وجود هذه الدول مجتمعة في المراتب المتقدمة إلى أن زيادة عدد الوحدات المبنية لا تؤدي تلقائياً إلى مساكن ميسرة. فقد يُوجَّه جزء كبير من الإنتاج إلى شرائح الدخل الأعلى، أو يُبنى بعيداً من الوظائف والنقل والخدمات، أو ترتفع كلفته بسبب أسعار الأراضي ومواد البناء والتمويل.

 

شقق سكنية في مصر الجديدة. (أ. ب.)
شقق سكنية في مصر الجديدة. (أ. ب.)

 

لماذا تظهر الكويت والبحرين في القائمة؟

 

تكشف مرتبتا الكويت والبحرين أن ارتفاع متوسط الدخل الوطني لا يضمن وحده القدرة على شراء المسكن: الكويت تحتاج إلى 11 عاماً و5 أشهر من الدخل، مقابل 8 أعوام و6 أشهر في البحرين.

وتُظهر بيانات الكويت أن نسبة سعر المنزل إلى الدخل ارتفعت من 6.1 أضعاف في 2015 إلى 12.3 ضعفاً في 2020، قبل أن تتراجع قليلاً إلى 11.5 ضعفاً في 2023. وهذا يعني أن أسعار المنازل تضاعفت تقريباً مقارنة بالدخل خلال فترة قصيرة، رغم ارتفاع نسبة الوصول إلى القروض السكنية إلى نحو 65% وفق بيانات الملحق الإحصائي.

وهنا تلعب ندرة الأراضي المتاحة للتطوير، وتمركز الطلب في مناطق معينة، وطول فترات انتظار المساكن المدعومة، وكلفة البناء، أدواراً لا تقل أهمية عن مستوى الأجور.

 

أزمة عالمية لا عربية فقط

 

تأتي النتائج العربية ضمن أزمة سكن عالمية متصاعدة: ارتفعت نسبة سعر المنزل إلى الدخل عالمياً من 9.3 أضعاف في 2010 إلى 11.2 ضعفاً في 2023، أي بنحو 20% خلال 13 عاماً. كما ارتفع النقص العالمي في المساكن من نحو 201 مليون وحدة في 2010 إلى أكثر من 268 مليون وحدة في 2023.

ويقول "موئل الأمم المتحدة" إن نحو 3 مليارات شخص يفتقرون إلى مسكن ملائم، فيما يعيش نحو 1.16 مليار شخص في أحياء عشوائية أو مستوطنات غير رسمية. كذلك، تنفق 44% من الأسر المستأجرة عالمياً أكثر من 30% من دخلها على السكن.

ويقدر التقرير أن توفير مساكن ملائمة وميسرة يتطلب تمويلاً عالمياً يتراوح بين 3 و4 تريليونات دولار سنوياً حتى 2030، بالتوازي مع صيانة المخزون السكني القائم وتحديثه.

 

فجوة الأرقام والصعوبة الحقيقية

رغم قسوة الأرقام، فإن المؤشر قد يكون أقل سوءاً من الواقع بالنسبة إلى الأسرة العادية؛ لأنه يفترض إمكان تخصيص الدخل كله للشراء. أما الأسرة التي تستطيع ادخار 20% فقط من دخلها، فتحتاج نظرياً إلى 5 أضعاف السنوات الوارد ذكرها، ما لم تستفد من قرض سكني أو دعم حكومي أو أصول عائلية.

في المقابل، لا يأخذ المؤشر في الحسبان اختلاف مساحة المنزل وجودته وموقعه، أو الدعم الحكومي وأسعار الفائدة، ولا يعكس التفاوت الكبير بين العاصمة والريف. 

مع ذلك، تبقى الرسالة الأساسية واضحة: أزمة السكن ليست نقصاً في المباني فحسب، فهي فجوة متزايدة بين أسعار العقارات ومداخيل الناس. ومعالجة هذه الفجوة تتطلب تحرير أراضٍ مخدّمة للبناء، وتوسيع الإسكان الاجتماعي والتعاوني، وتنظيم المضاربات العقارية، وتطوير سوق إيجار مستقرة، وتوفير قروض طويلة الأجل تتناسب أقساطها مع الدخل... وإلا يبقى المنزل بالنسبة إلى ملايين الأسر العربية أصلاً مالياً تتناقله الثروات، لا حقاً يمكن تحصيله بالعمل والادخار.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/24/2026 6:01:00 AM
تعكس الأحاديث المتداولة في بعض المجالس الخاصة لقيادات سورية تفاوتاً واضحاً في المعلومات. وقد يشير هذا التباين إلى أن الملف محصور ضمن دائرة ضيقة.
المشرق-العربي 7/25/2026 1:47:00 PM
دفعت وزارة الدفاع بمروحيات عسكرية إلى موقع التصادم لنقل عدد من المصابين
كتاب النهار 7/25/2026 6:17:00 AM
لقد اعتاد "حزب الله" أن يقدم نفسه بوصفه صاحب اليد الأقوى. أما اليوم، فيبدو أن اليد باتت محكومة بقيود الواقع، بينما بقي اللسان محتفظاً بكل زخمه.
لبنان 7/25/2026 11:19:00 AM
شهد جواز السفر اللبناني تحسناً تدريجياً بعد فترة الإغلاقات التي رافقت جائحة كورونا، وبلغ أفضل مستوياته في عام 2024 عندما احتل المرتبة 156 عالمياً، مع إمكانية الوصول إلى 60 وجهة