سداد أكبر قسط خارجي... ماذا بقي من أزمة الدين في تونس؟

اقتصاد وأعمال 21-07-2026 | 13:00

سداد أكبر قسط خارجي... ماذا بقي من أزمة الدين في تونس؟

لم تتخل تونس بشكل كامل عن خيار الاقتراض الخارجي، إذ واصلت اللجوء إلى مؤسسات تمويل عربية وإقليمية لتغطية جزء من احتياجاتها التمويلية.

سداد أكبر قسط خارجي... ماذا بقي من أزمة الدين في تونس؟
تونس (أ ف ب)
Smaller Bigger

مع سدادها أكبر قسط من الدين الخارجي المستحق خلال يوليو/تموز، تكون تونس قد قطعت خطوةً مهمة على طريق تقليص التزاماتها الخارجية. غير أن هذه الخطوة تثير تبايناً في تقييم الخبراء، فبينما يعتبرها البعض مؤشراً إيجابياً على تحسن الوضع المالي وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، يرى آخرون أنها تظل نجاحاً ظرفياً لا يعكس بالضرورة انتهاء أزمة المديونية أو تجاوز التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

 

أكبر استحقاق في 2026

وفقاً لرزنامة سداد الدين الخارجي، تسدد تونس في يوليو/تموز الجاري أكبر قسط من ديونها الخارجية المستحقة خلال عام 2026، بقيمة تناهز 827 مليون دولار، إلى جانب دفعة أخرى مستحقة لصندوق النقد الدولي.

ويمثل هذا القسط أكثر من 30% من إجمالي خدمة الدين الخارجي المبرمجة لسنة 2026، كما يُنظر إليه باعتباره نهاية أحد أكبر الإصدارات الدولية التي شكلت عبئاً على المالية العمومية خلال السنوات الأخيرة.

 

وفاء تاريخي بالالتزامات

 

ورغم ارتفاع حجم مديونيتها، واصلت تونس الإيفاء بجميع التزاماتها الخارجية في آجالها، بما في ذلك خلال السنوات الأخيرة التي توقفت فيها مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي.

وكانت تونس قد علّقت مفاوضاتها مع الصندوق بشأن قرض بقيمة 1.9 مليار دولار، بسبب الخلاف على برنامج الإصلاحات الاقتصادية المقترح وشروطه.

ومنذ الاستقلال عام 1956، لم تتخلف تونس عن سداد ديونها الخارجية في مواعيدها، وهو ما يعد أحد أبرز عناصر صدقيتها المالية لدى المقرضين.

البنك المركزي التونسي (أ ف ب)
البنك المركزي التونسي (أ ف ب)


من الدين الخارجي إلى التداين الداخلي

 

غير أن نجاح تونس في سداد استحقاقاتها الخارجية، أعاد طرح تساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية بشأن ما إذا كانت البلاد قد بدأت بالفعل في تجاوز أزمة المديونية، أم أنها غيّرت فقط هيكل الدين العام.

ورغم أهمية سداد استحقاق يوليو/تموز، باعتباره يغلق ملف أحد أكبر الإصدارات الدولية، فإن ذلك لا يعكس، وفق عدد من الخبراء، الصورة الكاملة للدين العمومي.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المالية العمومية تحولاً لافتاً في هيكل التمويل، إذ تراجع الاعتماد على الاقتراض الخارجي، في مقابل التوسع في اللجوء إلى السوق المحلية عبر أذون الخزينة والقروض الداخلية لتمويل عجز الموازنة.

ويرى أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي، في تصريح سابق لـ"النهار"، أن هذا التحول خفّف من مخاطر الاقتراض بالعملات الأجنبية، لكنه في المقابل زاد الضغوط على البنوك المحلية والسيولة الداخلية.

كما يعتبر عدد من الاقتصاديين أن هذا الخيار منح الحكومة هامشاً أوسع في رسم سياساتها الاقتصادية بعيداً من برامج صندوق النقد الدولي، لكنه ينطوي أيضاً على مخاطر، أبرزها مزاحمة القطاع الخاص على التمويل وارتفاع تكلفة الاقتراض الداخلي.

ويُحذر خبراء من أن استمرار هذا التوجه قد يزيد من الضغوط على القطاع المصرفي ويحد من قدرة المؤسسات الخاصة على الحصول على التمويل اللازم للاستثمار.

ومنذ تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي أواخر عام 2022، تبنت السلطات التونسية مقاربةً تقوم على الاعتماد على الموارد الذاتية، إلى جانب التمويلات الثنائية والإقليمية.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن المحافظة على سداد الديون في آجالها، من دون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، تعزز صورة تونس كدولة تحترم التزاماتها المالية وتحافظ على استقلالية قرارها الاقتصادي.

في المقابل، ترى الخبيرة الاقتصادية إيمان بالعربي، في تصريح لـ"النهار"، أن الوفاء بالاستحقاقات المالية لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمة الاقتصادية، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بضعف النمو، ومحدودية الموارد الدائمة من العملة الصعبة، وارتفاع عجز الميزانية والدين العمومي.

 

هل انتهى الاعتماد على الاقتراض الخارجي؟

 

ورغم توقفها عن التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لم تتخل تونس بشكل كامل عن خيار الاقتراض الخارجي، إذ واصلت اللجوء إلى مؤسسات تمويل عربية وإقليمية لتغطية جزء من احتياجاتها التمويلية.

وترى إيمان بالعربي أن هذا التوجه يعكس استمرار حاجة الاقتصاد التونسي إلى إصلاحات هيكلية عميقة تشمل تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز النمو، وإصلاح المالية العمومية، مؤكدة أن أهمية الاقتراض تكمن في توجيهه نحو مشاريع إنتاجية قادرة على خلق الثروة وتحقيق نمو مستدام.

وكانت تونس قد أعلنت، قبل أيام، توقيع اتفاق قرض جديد بقيمة 312 مليون دولار مع صندوق النقد العربي، بهدف دعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز ميزان المدفوعات.

ومع نجاحها في الوفاء باستحقاقاتها الخارجية، يبقى التحدي الأكبر أمام تونس قدرتها على الانتقال من اقتصاد يعتمد على إعادة تمويل الديون إلى اقتصاد يُولد الثروة. 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 7/20/2026 5:40:00 AM
لا يزال لبنان يراهن على موقف أميركي ضاغط لانتزاع ورقة الانسحاب، في مواجهة الممانعة المتصاعدة والضغوط التي يمارسها "حزب الله"
النهار تتحقق 7/20/2026 11:50:00 AM
تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين غير مسبوقة. "أتوجه إلى السوريين وأقول لهم إن لبنان بلدكم الثاني، وسنعاملكم كأبناء هذا البلد"، يقول جوزف عون في الفيديو.
لبنان 7/20/2026 9:10:00 PM
فرع المعلومات كان قد استدعى عليق في وقت سابق، إلا أنه تخلّف عن الحضور...
لبنان 7/21/2026 12:23:00 PM
أمانة جمارك جديدة يابوس، ضبطت 226 قنبلةً من نوع "RGC"، كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات