الديون العربية ونصيب الفرد العربي فيها
بين دول لا تزال تحافظ على مديونية يمكن التحكم بها، وأخرى تجاوز فيها الدين حجم الاقتصاد نفسه، ترسم خريطة الدين العام العربية واقعاً مالياً متبايناً يعكس آثار الأزمات والحروب وتباطؤ النمو.
لا تروي أرقام الدين العام قصة الاقتراض فحسب، بل تختصر مسار الاقتصادات العربية خلال العقد الأخير، من تداعيات جائحة "كورونا"، إلى ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، مروراً بالحروب والأزمات المالية التي دفعت حكومات كثيرة إلى توسيع الاقتراض لتمويل الإنفاق وسد العجز.
وتكشف البيانات الحديثة تفاوتاً واضحاً بين الدول العربية، سواء من حيث الحجم الإجمالي للدين أو نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو المؤشر الأكثر استخداماً لقياس قدرة الدول على خدمة التزاماتها المالية.

فعلى مستوى القيمة الاسمية، تتصدر مصر الدول العربية، إذ يراوح حجم دينها العام بين 290 و310 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 87% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها صاحبة أكبر رصيد دين في المنطقة. إلا أن ضخامة الاقتصاد المصري تعني أن قراءة الرقم يجب أن تقترن بحجم الناتج وعدد السكان، وليس بالقيمة المطلقة وحدها.
وفي المرتبة التالية تأتي السعودية، بدين يقدّر بين 360 و390 مليار دولار، إلا أن نسبته إلى الناتج المحلي لا تتجاوز نحو 32%، وهي من أدنى المستويات بين الاقتصادات الكبرى في المنطقة، مستفيدة من الإيرادات النفطية وارتفاع حجم الاقتصاد.
كما تسجل الإمارات وضعاً مالياً مشابهاً، مع دين يراوح بين 170 و190 مليار دولار ونسبة لا تتجاوز 31.4% من الناتج المحلي، بينما تبقى الكويت الأقل مديونية عربياً، إذ تقل نسبة الدين فيها عن 10% من الناتج.
في المقابل، تظهر البحرين كالحالة الأكثر مديونية بين دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تتجاوز نسبة الدين 130% من الناتج المحلي، وهو مستوى يعكس الضغوط التي تواجه المالية العامة رغم صغر حجم الاقتصاد مقارنة بجيرانه الخليجيين. أما قطر وسلطنة عُمان، فتقعان ضمن مستويات متوسطة، مع نسب دين أقل بكثير من البحرين وأكثر قابلية للإدارة.
وفي شمال أفريقيا، تواصل تونس مواجهة مستويات مرتفعة من الدين تقارب 85% من الناتج المحلي، فيما يسجل المغرب نحو 66%، بينما تبدو الجزائر في وضع أكثر توازناً رغم ارتفاع القيمة الاسمية لدينها إلى نحو 165 مليار دولار، إذ تبقى نسبته دون 60% من الناتج المحلي.
أما في المشرق، فيبلغ الدين العام في الأردن نحو 50 إلى 55 مليار دولار، بنسبة تقارب 90 إلى 95% من الناتج المحلي، في حين يقدّر دين العراق بما بين 120 و135 مليار دولار، مع نسبة تراوح بين 45 و55%. وتظهر فلسطين بدين رسمي يبلغ نحو 4.8 مليارات دولار، مع الإشارة إلى أن هذا الرقم لا يشمل المتأخرات المالية المستحقة.

ويبقى لبنان حالة مختلفة عن سائر الدول العربية. فبحسب الجدول، تتجاوز نسبة الدين العام 140% من الناتج المحلي وفق تقديرات المؤسسات الدولية، إلا أن الانهيار النقدي وتعدد أسعار الصرف يجعلان احتساب القيمة الفعلية للدين أو نصيب الفرد منه غير قابلين للمقارنة مع بقية الدول، وهو ما ينطبق بدرجات متفاوتة أيضاً على ليبيا والسودان وسوريا، حيث تؤدي الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى غياب بيانات موثوقة أو قابلة للمقارنة.
وتؤكد هذه المؤشرات أن حجم الدين، مهما بلغ، لا يشكل وحده معياراً للحكم على سلامة المالية العامة. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً كبيراً وإيرادات مستقرة تستطيع إدارة مستويات مرتفعة من الاقتراض، فيما تتحول ديون أقل حجماً إلى عبء ثقيل عندما يتباطأ النمو، أو ترتفع تكلفة التمويل، أو تتراجع الإيرادات العامة.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة الاقتراض، تبدو استدامة الدين العام أحد أبرز التحديات أمام الحكومات العربية، ليس فقط لخفض العجز، بل أيضاً للحفاظ على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري من دون تعريض الاستقرار المالي لمزيدٍ من المخاطر.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الصغير ترى أنها "السائقة الماهرة" التي تستطيع قيادة سيارة الحقوق والحريات عكس اتجاه السير الذكوري للمجتمعات العربية، وتستطيع أن تبلغ بها بر الأمان، أما بقية النساء في الشارع، فحمقاوات وبطيئات ولن يُجدن التراقص بين المسارات.
نبض