"سابك" تراهن على الصين مجدداً: اتفاقية جديدة مع رونغشنغ لحصة تصل إلى 50%
وقّعت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) اتفاقية تطوير مشروع مع عملاق الكيماويات الصيني رونغشنغ للبتروكيماويات، تمهيداً لتقييم استثمار محتمل بحصةٍ تصل إلى 50% في مشروعٍ للمواد المتقدمة بمدينة تشوشان.
أعلنت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) توقيع اتفاقية تطوير مشروع مع شركة "رونغشنغ" للبتروكيماويات المحدودة (Rongsheng Petrochemical)، وشركتها التابعة المملوكة بالكامل "رونغشنغ نيو ماتيريالز" (تشوشان)، للمضي المشترك في تطوير مشروع جينتانغ للمواد الجديدة بمدينة تشوشان في مقاطعة تشجيانغ الصينية، بحسب بيان مشترك صادر عن الشركتين.
وتأتي الخطوة في وقت تتجه فيه الصين، أكبر سوق للكيماويات المتقدمة في العالم، إلى تسريع الطلب على هذه المواد وسط توسع صناعاتها التحويلية، وهو ما يفسر إقدام "سابك" على تعميق التزامها الاستثماري هناك رغم تشديدها العام على ترشيد الإنفاق الرأسمالي.
حصة محتملة تصل إلى 50%
بموجب الاتفاقية، تقيّم "سابك" ورونغشنغ استثماراً محتملاً في حقوق ملكية يصل إلى 50% لمصلحة "سابك" في شركة "رونغشنغ نيو ماتيريالز"، ما يضع المشروع ضمن إطار تعاون استراتيجي بين شركتين توصف كل منهما بأنهما من اللاعبين العالميين الكبار في قطاعهما.
فـ"رونغشنغ" للبتروكيماويات، الشريك الصيني في هذه الصفقة، تحتل بحسب بيانها الرسمي المرتبة الخامسة عالمياً بين أكثر العلامات التجارية الكيميائية قيمة، والمرتبة السابعة في "نادي شركات الكيماويات العالمي التي تتجاوز قيمتها المليار دولار"، والتاسعة ضمن أكبر 100 شركة كيماويات في العالم لعام 2025.
أما "سابك"، التي بلغت إيراداتها نحو 116.5 مليار ريال (31.07 مليار دولار) في 2025، فتواجه في المقابل ضغوط طاقة إنتاجية فائضة عالمياً في قطاع البتروكيماويات، وهو سياق يجعل من أي توسع محسوب في سوق مثل الصين خطوة ذات وزن استراتيجي لا مجرد إعلان روتيني.
وتضع الاتفاقية إطاراً لأنشطة تطوير المشروع تمهيداً لاتخاذ قرار استثمار نهائي محتمل، من دون أن يحدد البيان قيمة مالية للحصة أو جدولاً زمنياً لذلك القرار.
تصريحات الشركتين
قال د. فيصل الفقير، الرئيس التنفيذي لـ"سابك" وعضو مجلس الإدارة التنفيذي، في البيان المشترك، إن الشراكة مع "رونغشنغ" تعكس رؤية "سابك" للنمو وتوسيع حضورها العالمي عبر نهجٍ تعاوني استراتيجي، مضيفاً: "تواصل سابك التركيز على الابتكار وتطوير محفظة أعمالها وخلق قيمة مستدامة، بما يعزز قدرتها على خدمة عملائها حول العالم".
من جانبه، قال شيانغ جيونغ جيونغ، الرئيس التنفيذي لـ"رونغشنغ" للبتروكيماويات والعضو التنفيذي في مجلس إدارتها: "يمثل هذا التعاون شراكة بارزة ونموذجاً للتعاون الرابح للطرفين بين رونغشنغ للبتروكيماويات وسابك. تُعد هذه الشراكة نتاجاً رئيسياً لتكامل قوتين صناعيتين رائدتين في مجالات البحث والتطوير والتشغيل المشترك للمواد الكيميائية المتقدمة. وفي ظل ظروف السوق المعقدة الراهنة، يشكل تحالفنا أيضاً رافداً استقراراً مهماً لقطاع الكيماويات، يمكّننا من تقديم حلول أكثر قيمة وشمولاً لعملائنا"، بحسب البيان.

سوق صينية تنافسية
هذا التوصيف لـ"ظروف السوق المعقدة" ليس مبالغة عابرة؛ فسوق المواد الكيميائية المتقدمة في الصين، التي تقدَّر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار حالياً ومن المتوقع أن تتضاعف إلى نحو 12.7 مليار دولار بحلول 2035، تشهد في الوقت ذاته منافسةً محتدمة بين الموردين المحليين والدوليين وسط طلب صناعي متسارع تجاوز نمو الطلب فيه 8% خلال 2025 وحده، وفق تقديرات مركز المعلومات الكيميائي الوطني الصيني.
ويشير هذا السياق إلى أن اتفاقية "سابك" ليست خطوة معزولة، بل جزء من مسارٍ تنافسي إقليمي أوسع تحاول فيه شركات الكيماويات العالمية تثبيت موقعها قبل أن تتضخم المنافسة.
حجم المشروع المعلن سابقاً
يشار إلى أن "رونغشنغ" للبتروكيماويات كانت قد أعلنت في مطلع عام 2024 عن نيتها استثمار نحو 67.5 مليار يوان، أي نحو 9.46 مليارات دولار وفق سعر الصرف وقتها، في مشروع جينتانغ للمواد الجديدة بتشوشان.
ويعطي هذا الرقم فكرة عن الحجم الكلي للمشروع الذي تسعى "سابك" إلى دخوله جزئياً، من دون أن يوضح البيان المشترك الأخير ما إذا كانت حصة "سابك" المحتملة البالغة 50% تنسحب على المشروع بكامل قيمته المعلنة سابقاً أو على جزء محدد منه.
لماذا الصين؟
يكمن الجواب في تاريخ "سابك" الطويل هناك؛ فالشركة السعودية تعمل في السوق الصينية منذ ثمانينات القرن الماضي، ولديها اليوم عمليات في 17 مدينة صينية تشمل التصنيع والبحث والتطوير والمبيعات وخدمات العملاء، وهو حضور جغرافي وصناعي يتجاوز بكثير ما تملكه غالبية الشركات الخليجية المنافسة في السوق الصينية.
ويضم هذا الحضور مركزها التقني في شنغهاي، الذي افتُتح عام 2013 باستثمار بلغ 100 مليون دولار، ويُعد أحد أكبر مراكز البحث والتطوير التابعة لها خارج السعودية.
استثمارات سابك الأوسع في الصين
لا يعد مشروع جينتانغ الاستثمار الأضخم لـ"سابك" في الصين، فهذا اللقب يبقى حتى الآن لمجمع فوجيان للبتروكيماويات البالغ قيمته 6.4 مليارات دولار، الذي تملك فيه "سابك" نسبة 51% في مقابل 49% لشريكها الصيني فوجيان فوهوا غولي للبتروكيماويات، بحسب تصريحات سابقة للشركة.
ويهدف هذا المجمع الضخم إلى إنتاج ما يصل إلى 1.8 مليون طن متري سنوياً من الإيثيلين، إلى جانب البولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبولي كربونات والإيثيلين غليكول ومنتجات بتروكيماوية أخرى، على أن يبدأ تشغيله التجريبي في النصف الثاني من عام 2026، أي في غضون أشهر قليلة من توقيع اتفاقية جينتانغ الجديدة.
وبذلك تتزامن اتفاقية جينتانغ مع مرحلة حاسمة في مسار "سابك" الصيني، بحيث تدخل استثماراتها الأكبر حيز التشغيل بينما تفتح في الوقت نفسه باباً استثمارياً جديداً محتملاً.
نبض