الديون العربية... مسارات مختلفة وأزمة واحدة في الخلفية

اقتصاد وأعمال 16-07-2026 | 10:17

الديون العربية... مسارات مختلفة وأزمة واحدة في الخلفية

الحروب والفوائد وتقلبات الاقتصاد العالمي تعيد رسم خريطة المديونية في المنطقة

الديون العربية... مسارات مختلفة وأزمة واحدة في الخلفية
البنك الدولي في واشنطن (أ ف ب)
Smaller Bigger

أصبحت الديون العامة في الدول العربية عاملاً رئيسياً في رسم السياسات الاقتصادية، إذ تؤثر مباشرة في قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة والاستثمار، وتفرض عليها خيارات صعبة مثل رفع الضرائب، وخفض الدعم، وإعادة هيكلة الإنفاق. لكن أوضاع الدول العربية تختلف بصورة كبيرة، فلا توجد أزمة ديون واحدة، بل أنماط متعددة تعكس اختلاف هياكل الاقتصادات ومستويات النمو والاستقرار السياسي.

 

لا يكفي حجم الدين وحده للحكم على متانة الوضع المالي، إذ تعتمد قدرة الدولة على تحمل المديونية على حجم اقتصادها، وإيراداتها، وتكلفة الاقتراض، وهيكل الدين، واحتياطياتها المالية. لذلك قد تكون دولة ذات دين مرتفع أكثر قدرة على التسديد من دولة أخرى يقلّ دينها كثيراً لكنها تعاني من ضعف الإيرادات، أو من ارتفاع معدلات الفوائد.

 

تمثل البحرين الحالة الأكثر وضوحاً في الخليج، إذ تواجه أعلى مستويات المديونية نتيجة العجز المالي المزمن، وارتفاع الإنفاق الجاري، ومحدودية الإيرادات النفطية مقارنة بجيرانها، لكنها تنفذ إصلاحات مالية وبرامج للتوازن المالي. وفي مصر، تكمن المشكلة الأساسية في ارتفاع تكلفة خدمة الدين ومعدلات الفائدة، إلى جانب انخفاض قيمة العملة وتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي، ما يجعل تقليص الدين مرتبطاً بتحقيق نمو اقتصادي أقوى وزيادة في الصادرات والاستثمارات.

 

ويعاني الأردن وتونس ضغوطاً مشابهة، إذ يحد ضعف النمو وارتفاع الإنفاق الجاري من القدرة على خفض الدين بسرعة. في الأردن تفرض محدودية الموارد الطبيعية وتكلفة الطاقة واستضافة اللاجئين أعباءً إضافية على المالية العامة، بينما تواجه تونس صعوبة في الوصول إلى التمويل الخارجي، ما يدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على المصارف المحلية.

 

أما المغرب والجزائر والعراق فتبدو أوضاعها أكثر استقراراً نسبياً، على الرغم من ارتفاع المديونية خلال السنوات الأخيرة. فقد ازداد الدين المغربي نتيجة تداعيات الجائحة والجفاف والاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال 2023، لكنه يستند إلى اقتصاد متنوع نسبياً. وفي الجزائر، يبقى معظم الدين داخلياً، إلا أن استمرار الاعتماد على النفط يجعل الاستدامة المالية رهناً بتنويع الإيرادات. أما العراق، فلا يعاني حالياً أزمة دين حادة، لكنه يظل معرضاً إلى تقلبات أسعار النفط بسبب اعتماد المالية العامة الكبير على الإيرادات النفطية.

 

وفي دول الخليج الأخرى، يختلف منطق الاقتراض. تستخدم السعودية الدين لتمويل مشاريع التحول الاقتصادي من ضمن "رؤية 2030"، بينما تستفيد الإمارات وقطر من أصول سيادية وإيرادات كبيرة تجعل مديونيتهما أكثر قابلية للإدارة. كذلك، نجحت عُمان في خفض دينها عبر استخدام فوائض النفط لضبط المالية العامة، في حين يظل انخفاض الدين في الكويت غير كافٍ لإخفاء الحاجة إلى تعزيز الإصلاحات الجارية لتقليل الاعتماد على النفط.

 

مصرف لبنان المركزي (رويترز)
مصرف لبنان المركزي (رويترز)

 

 

 

 

في المقابل، ترتبط أزمات الدين في لبنان وليبيا وفلسطين واليمن والسودان وسوريا بعوامل سياسية وأمنية بقدر ارتباطها بالعوامل الاقتصادية. في لبنان، أدى الانهيار المالي وتعثر تسديد الديون إلى تعقيد الأزمة، بينما تضاعف الدين في ليبيا نتيجة الانقسام المؤسسي وغياب موازنة موحدة. وفي فلسطين، تفاقمت الأزمة بسبب الحرب واحتجاز إسرائيل إيرادات المقاصة وتراجع النشاط الاقتصادي، في حين يعاني اليمن والسودان من آثار الحرب والانقسام وتراجع الإيرادات، ما يجعل معالجة الدين مرتبطة بالاستقرار السياسي قبل أي إصلاح مالي. أما سوريا، فلا تزال تفتقر إلى بيانات مالية موثوقة تسمح بتقدير حجم الدين بدقة. وتبرز أيضاً أوضاع جيبوتي وموريتانيا وجزر القمر، حيث لا تعني القيم المطلقة الصغيرة للديون انخفاض المخاطر، لأن اقتصاداتها محدودة الموارد وتعتمد بدرجات متفاوتة على التمويل الخارجي والمنح.

 

تعود الزيادة في الديون العربية خلال السنوات الأخيرة إلى مجموعة عوامل مشتركة، أبرزها تداعيات جائحة كورونا، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتشديد السياسة النقدية العالمية وارتفاع معدلات الفائدة، وتراجع قيمة العملات المحلية، وضعف النمو الاقتصادي، واتساع الإنفاق على الرواتب والدعم، إضافة إلى الحروب والانقسامات السياسية في عدد من الدول.

 

وفي الوقت نفسه، لا يُعَدّ مؤشر الدين للفرد معياراً كافياً لتقييم المخاطر، لأنه لا يأخذ في الاعتبار مستوى دخل السكان، أو حجم الأصول العامة، أو قدرة الدولة على التسديد، كما قد يكون مضللاً في الدول التي تضم أعداداً كبيرة من المقيمين أو التي شهدت تغيرات سكانية واسعة بسبب النزاعات.

 

وتبين المقارنة أن الدول العربية تنقسم إلى أربع مجموعات رئيسية: دول تعاني أزمات مرتبطة بالحرب أو انهيار المؤسسات، ودول تواجه ضغوطاً مالية بسبب ارتفاع خدمة الدين، ودول لا تزال قادرة على إدارة مديونيتها على الرغم من التحديات، ودول تقترض لتمويل التحول الاقتصادي من موقع مالي أقوى. وفي الأحوال كلها، لا يمثل الاقتراض مشكلة بحد ذاته، بل تكمن الخطورة في استخدامه لتمويل نفقات جارية أو لتسديد فوائد ديون سابقة، بدلاً من توجيهه إلى استثمارات ترفع النمو والإنتاجية وتدعم الاستدامة المالية في الأجل البعيد.

الأكثر قراءة

دوليات 7/14/2026 6:25:00 AM
الذهب عند أدنى مستوى في أسبوعين و تراجع المعادن النفيسة الأخرى
مكالمة استغاثة بسبب آلام في الصدر، ثم وفاة مفاجئة، لتنكشف لاحقاً تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام. ومع تصاعد التساؤلات، دعا مشرعون إلى تحقيق شامل، فيما بدأت تتكشف كواليس آخر لحظاته
لبنان 7/15/2026 2:39:00 PM
هرعت فرق الدفاع المدني إلى المكان وتعمل حالياً على محاصرة النيران وإخماد الحرائق الناجمة عن الانفجار
لبنان 7/15/2026 7:31:00 PM
أقرّ مجلس النواب اللبناني خلال جلسته التشريعية حزمة من القوانين، أبرزها منح العسكريين وموظفي القطاع العام ستة رواتب إضافية بمفعول رجعي، والموافقة على إنشاء مكتب لصندوق النقد الدولي في لبنان، إلى جانب تخصيص 200 مليار ليرة لصندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة وإقرار اتفاق تعاون مع ألمانيا.