مصر تستبدل ضريبة الأرباح الرأسمالية بالدمغة... تحدٍّ جديد أم دفعة لسوق المال؟
تتجه مصر إلى تطبيق ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة خلال الشهر الجاري، بعد موافقة مجلس النواب، في انتظار تصديق رئيس الجمهورية، وسط ترقب لتأثيرها على السيولة وجاذبية الاستثمار وتنافسية البورصة المصرية.
تتجه مصر إلى بدء تطبيق ضريبة الدمغة على تعاملات البورصة خلال الشهر الجاري، بعد موافقة مجلس النواب نهائياً على تعديلات القانون، التي تقضي بإلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية واستبدالها بضريبة دمغة نسبية على عمليات بيع وشراء الأوراق المالية المقيدة.
ولا يزال القانون في انتظار تصديق رئيس الجمهورية حتى يدخل حيز التنفيذ، وسط ترقب المستثمرين لانعكاسات هذه الخطوة على أداء سوق المال، وما إذا كانت ستنجح في تبسيط المنظومة الضريبية وزيادة السيولة أم تؤثر على تنافسية البورصة المصرية.
تفاصيل القرار
وتنص التعديلات التي أقرها مجلس النواب نهاية حزيران/يونيو الماضي على إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية واستبدالها بضريبة دمغة موحدة على تداولات الأوراق المالية المقيدة، بواقع 0.5 في الألف من قيمة العملية يتحملها البائع والمشتري، سواء كانا مقيمين أو غير مقيمين، مع خفضها إلى 0.25 في الألف لعمليات التداول اليومي.
كما استثنى القانون تعاملات صانعي السوق ووثائق الاستثمار المقيدة لتجنب الازدواج الضريبي، فيما تتولى الجهات المختصة تحصيل الضريبة وتوريدها إلى مصلحة الضرائب، التي تتوقع حصيلة تصل إلى نحو 3 مليارات جنيه (59.1 مليون دولار) خلال العام المالي 2026-2027، مقارنة بحصيلة تجاوزت مليار جنيه حققتها خلال فترة تطبيقها السابقة بين عامي 2018 و2019 عندما كانت بنسبة 1.25 في الألف.
.jpeg)
الفارق بين الضريبتين
ويأتي هذا التحول بهدف تبسيط المنظومة الضريبية، إذ تختلف آلية الاحتساب بين النظامين، فضريبة الأرباح الرأسمالية تُفرض على الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم بسعر أعلى من سعر شرائها، أي أنها تُحتسب على صافي الربح المحقق وليس على قيمة الصفقة نفسها، ما يتطلب حسابات دقيقة للأرباح والتكاليف، بينما تُطبق ضريبة الدمغة بنسبة ثابتة على قيمة كل عملية بيع أو شراء بغض النظر عن تحقيق ربح أو خسارة، وهو ما يجعلها أكثر سهولة في التطبيق والتحصيل.
وتعليقاً على ذلك، يقول سامي شاوش، العضو المنتدب لشركة "جوست فاير" للاستشارات المالية، في تصريحات لـ"النهار"، إن توجه الحكومة يستهدف تبسيط الإجراءات من خلال آلية أكثر وضوحاً في الحساب والتحصيل، بما يعزز استقرار القواعد المنظمة للتعاملات داخل سوق المال.
ويضيف أن التأثير الفعلي للقرار سيحدده التطبيق على أرض الواقع، ومدى انعكاسه على سلوك المستثمرين وحجم التداولات والسيولة داخل البورصة، مشيراً إلى أن قدرة الضريبة الجديدة على دعم تنافسية السوق وجذب مزيد من الاستثمارات ستتضح وفقاً لاستجابة المتعاملين خلال الفترة المقبلة.
إصلاحات لدعم سوق المال
ويأتي تعديل النظام الضريبي ضمن خطة أوسع لتنشيط سوق المال، حيث تعمل وزارة المالية على إقرار حافز ضريبي يصل إلى 15% للشركات التي تقيد أسهمها في البورصة بهدف تشجيع الطروحات، فيما تستعد الهيئة العامة للرقابة المالية لإطلاق قواعد البيع على المكشوف، والتوسع في التحول الرقمي، وتأهيل نحو 20 شركة مقيدة مؤقتاً لاستكمال إجراءات الطرح النهائي خلال المهلة القانونية البالغة 6 أشهر.
وتتزامن هذه الإجراءات مع أداء قوي للبورصة المصرية خلال النصف الأول من 2026، إذ ارتفع المؤشر الرئيسي بنحو 22%، وصعد مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة 18%، فيما زادت القيمة السوقية للأسهم المقيدة إلى نحو 3.6 تريليونات جنيه (ما يعادل نحو 70.9 مليار دولار)، وبلغت التداولات 955 مليار جنيه (نحو 18.8 مليار دولار) مقابل 538 مليار جنيه (نحو 10.6 مليار ات دولار) خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ورغم هذا الزخم، تبقى التساؤلات قائمة حول قدرة النظام الضريبي الجديد على الحفاظ على جاذبية السوق وتعزيز تنافسيته أمام الأسواق الإقليمية.
تداعيات التطبيق
وحول ما إذا كانت ضريبة الدمغة تمثل تحدياً جديداً أم دفعة لسوق المال، ترى حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، في تصريحات خاصة لـ"النهار"، أن الدولة تسعى إلى تنمية مواردها في ظل ضغوط الموازنة، وتعد الضرائب إحدى أدوات زيادة الإيرادات، مشيرة إلى أن اعتراض المتعاملين سابقاً على ضريبة الأرباح الرأسمالية ارتبط بمخاوف فتح ملفات ضريبية وتتبع التعاملات، وهو ما جعل العودة إلى ضريبة الدمغة أكثر قبولاً من الناحية الإجرائية.
وتضيف أن النسبة الجديدة لضريبة الدمغة البالغة نصف في الألف، وربع في الألف للتداولات اليومية، تعد أقل من الصيغ السابقة، لكنها ترى أن الأفضل كان إعفاء تعاملات البورصة من الضرائب لتعزيز تنافسيتها، موضحة أن استمرار فرض ضريبة الدمغة قد يحد من جاذبية السوق، خاصة أن حصيلتها تظل محدودة نسبياً مقارنة بالدور الذي يمكن أن تلعبه البورصة في دعم الاستثمار وتوفير التمويل للشركات، فضلاً عن احتمالية تأثيرها على قرارات المستثمرين وحجم السيولة والتداولات والتوجه إلى بدائل أخرى مثل سندات الخزانة أو الأسواق الخارجية.
وتشير رمسيس إلى أنه في حال استمرار تطبيق الضريبة، فإن الأمر يتطلب إجراءات داعمة للحفاظ على تنافسية السوق، من خلال تعزيز الحوار بين الجهات المعنية، وتطوير أدوات التداول، وتوسيع قاعدة الشركات المقيدة، وتحفيز الطروحات الجديدة، بما يحافظ على السيولة ورأس المال السوقي للبورصة المصرية.
نبض