الطويلة... مجمع يكشف وزن الإمارات في سوق الألمنيوم العالمية
في سوق الألمنيوم، لا تحتاج الصدمة إلى توقف كامل حتى تتحول إلى إشارة سعرية. يكفي أن يتعطل موقع بحجم الطويلة في أبوظبي حتى تعيد الأسواق حساب المخاطر: من أين يأتي المعدن؟ هل تصل الألومينا إلى المصاهر؟ وهل تبقى صادرات الخليج قادرة على عبور الممرات البحرية الحساسة؟
لهذا لم يكن استئناف إنتاج الألومينا في مصفاة الطويلة حدثاً تشغيلياً داخلياً لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم (Emirates Global Aluminium) فقط، بل رسالة إلى سوق عالمية ظلت منذ آذار/مارس تتعامل مع الموقع بوصفه نقطة اختناق محتملة في سلسلة إمداد معدن يدخل في السيارات والطائرات والكابلات والتغليف ومشاريع الطاقة الشمسية.

موقع متكامل بين المصهر والمصفاة والميناء
يقع مجمع الطويلة في منطقة خليفة الصناعية في أبوظبي، بين أبوظبي ودبي. ووفق بيانات الشركة، بدأ المصهر الإنتاج على مرحلتين في عامي 2009 و2013، وكان عند اكتماله أكبر مصهر منفرد للألمنيوم في العالم. تبلغ طاقته الاسمية نحو 1.5 مليون طن سنوياً، ويضم 1,262 خلية اختزال، إلى جانب محطة طاقة ومرافق تحلية وميناء مخصص لنقل المواد الخام عبر ميناء خليفة.
أضيفت إلى الموقع في عام 2019 مصفاة الألومينا، وهي الأولى في الإمارات والثانية في الشرق الأوسط، وتحوّل البوكسيت إلى الألومينا، وهي المادة الوسيطة التي تغذي المصاهر. وتقول الشركة إن المصفاة أنتجت 2.4 مليون طن من الألومينا في 2025 ولبّت 46 بالمئة من احتياجاتها من هذه المادة، بما يوضح أن الطويلة ليس مجرد مصهر، بل جزء من محاولة لخفض الاعتماد على الواردات في حلقة أساسية من سلسلة القيمة.
الهجمات الإيرانية واختبار التعافي الصناعي
تظهر أهمية الموقع بوضوح أكبر عند الأزمة. أعلنت الشركة في 28 آذار/مارس 2026 أن موقع الطويلة تعرّض لأضرار كبيرة نتيجة هجمات إيرانية بالصواريخ والمسيّرات على منطقة خليفة الاقتصادية، ما أدى إلى إغلاق طارئ شامل للموقع، وأشارت إلى إصابة عدد من موظفيها دون أن تحدد الشركة رقماً دقيقاً، مؤكدة أن الإصابات ليست خطيرة. وأفادت وسائل إعلام رسمية إماراتية بإصابة ستة أشخاص إجمالاً من سقوط حطام صاروخ اعتُرض قرب المنطقة، من دون تحديد ما إذا كانوا من موظفي الشركة.
حتى بداية تموز/يوليو، كانت الشركة قد أعادت تشغيل 89 خلية اختزال من أصل 1,262 خلية، بعد إزالة الأنودات من كل الخلايا وتنظيف نحو 90 بالمئة منها وإزالة المعدن المتجمد من أكثر من 20 بالمئة. لكن عودة إنتاج المعدن الساخن إلى مستويات ما قبل الحادث قد تستغرق حتى عام، بحسب تقديرات الشركة الأولية، ما يعني أن التعافي ليس حدثاً واحداً بل عملية صناعية معقدة تقاس بالشهور لا بالأيام.
لماذا يصعب تعويض الطويلة سريعاً؟
هذا التعقيد هو ما يمنح الطويلة وزنه الاستراتيجي. فالألمنيوم صناعة كثيفة الطاقة ورأس المال، ولا يمكن تعويض طاقة مصهر كبير بسرعة؛ فإطفاء الخلايا أو تجمد المعدن داخلها يخلق ضرراً فنياً يتطلب إصلاحات متتابعة، فيما تعتمد المصاهر على انتظام تدفق الكهرباء والألومينا والأنودات والخدمات اللوجستية. ولذلك تراقب السوق الطويلة ليس لأن الإمارات منتج كبير فقط، بل لأن الموقع يجمع في مساحة واحدة أكثر من حلقة حساسة في السلسلة.
استئناف الألومينا ورسالة إلى السوق
أعلنت الشركة في 10 تموز/يوليو استئناف إنتاج الألومينا في مصفاة الطويلة. ويمثل ذلك تقدماً مهماً لأنه يعيد جزءاً من تأمين المادة الخام، حتى إن الشركة كانت قد أوضحت سابقاً أن تعافي إنتاج المعدن في المصهر لا يعتمد بالكامل على عودة المصفاة إلى كامل طاقتها، بفضل المخزونات المتوافرة ومصادر التوريد البديلة.
الأسعار بين التصحيح وضيق السوق الفوري
انعكس الخبر في الأسعار بوضوح. فقد تراجع عقد الألمنيوم القياسي لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن (LME) إلى نحو 3,143.5 دولار للطن في 10 تموز/يوليو، بعد بلوغه قمة أربع سنوات عند 3,855 دولاراً للطن في 2 حزيران/يونيو الماضي. لكن هذا التراجع لا يعني انتهاء القلق؛ فاستمرار علاوة السوق الفورية على عقود الثلاثة أشهر يشير إلى ضيق قريب الأجل، بينما تبقى المخزونات المنخفضة في بورصة لندن عاملاً يحد من هبوط الأسعار بسرعة.
الطويلة ورهان الصناعة الثقيلة خارج النفط
في الخلفية، تبدو شركة الإمارات العالمية للألمنيوم نموذجاً لطموح صناعي خليجي أوسع: بناء صناعة ثقيلة خارج النفط والغاز، ثم ربطها بالتصدير والتكنولوجيا والطاقة المنخفضة الكربون. وتقول الشركة إن مساهمتها المباشرة وغير المباشرة والمستحثة في اقتصاد الإمارات بلغت أكثر من 6.9 مليار دولار في 2025، ودعمت أكثر من 56 ألف وظيفة، وشكلت نحو 1.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما تفيد الشركة بأن طناً واحداً من كل 25 طناً من الألمنيوم المنتج عالمياً يُصنع في الإمارات بواسطتها.
ولا يقتصر رهان الطويلة على الإنتاج الأولي. في حزيران/يونيو 2026، افتتحت الشركة أكبر مصنع لإعادة تدوير الألمنيوم في الإمارات في الموقع نفسه، بطاقة سنوية تبلغ 185 ألف طن، في إطار نموها في الألمنيوم منخفض الكربون والاقتصاد الدائري.
الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري
كما تقف الطويلة عند تقاطع ملف الطاقة. في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وقّعت الشركة اتفاقات مع "طاقة" و"دوبال القابضة" و"مياه وكهرباء الإمارات" لبيع أصول الطاقة والمياه في الطويلة بقيمة 1.9 مليار دولار (نحو 7 مليارات درهم)، على أن تصبح الشركة أكبر عميل منفرد على شبكة كهرباء أبوظبي. وتقول الشركة إن هذه الاتفاقات ستسمح بزيادة إنتاج الألمنيوم الشمسي "سيليستيال" وتوسيع استخدام الكهرباء النظيفة في عملياتها.
هذه النقطة مهمة تجارياً بقدر أهميتها بيئياً، فالمستهلكون الصناعيون في السيارات والطيران والبناء يواجهون ضغوطاً متزايدة لخفض البصمة الكربونية لسلاسل توريدهم. وكانت الشركة قد أعلنت في 2021 أنها أول شركة تنتج الألمنيوم تجارياً باستخدام الطاقة الشمسية عبر منتج "سيليستيال"، وكانت مجموعة "بي إم دبليو" أول عميل له.
التكامل مصدر قوة
لكن البروفايل الاستراتيجي للطويلة لا يكتمل من دون الإقرار بالتحديات؛ فالموقع قوي لأنه متكامل، لكنه يتأثر أيضاً عندما تتعرض البنية اللوجستية أو الطاقة أو خطوط الإمداد لضغط واحد. وأفادت الشركة في بيانها الأول عن الأزمة بأنها كانت تمتلك مخزوناً كبيراً من المعدن على متن السفن وفي مواقع خارجية عند بدء الهجمات في آذار/مارس، ما ساعدها على تخفيف الأثر الفوري على العملاء. وأفادت رويترز في آذار/مارس بأن الشركة حوّلت جزءاً من صادراتها ووارداتها من الألومينا إلى ميناء صحار العُماني براً عبر الشاحنات، كأحد المسارات البديلة خارج مضيق هرمز خلال ذروة الاضطراب الإقليمي.
المرحلة المقبلة
إن استئناف الألومينا لا يغلق ملف الطويلة، بل ينقله إلى مرحلة أدق: هل تستطيع الشركة تسريع عودة خلايا الاختزال، وهل ينجح الموقع في الحفاظ على موقعه كمركز إنتاج منخفض الكربون بينما يعيد بناء كامل طاقته؟
الإجابة ستحدد أكثر من مسار شركة واحدة، فالطويلة اليوم مرآة لمعادلة صناعية خليجية جديدة: إنتاج ضخم، طاقة كثيفة، سلاسل توريد عالمية، ومخاطر جيوسياسية لا يمكن فصلها عن سعر المعدن على شاشة بورصة لندن.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض