سوريا تقترب من الخروج من قائمة الإرهاب... كيف يغير القرار مسار الاقتصاد؟
تقترب سوريا من مرحلة اقتصادية جديدة مع بدء الإجراءات الأميركية لرفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة قد تعزز فرص الاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار، وتمهد لإعادة دمجها تدريجاً في الاقتصاد العالمي.
يمثل بدء الولايات المتحدة بإجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تحولاً سياسياً واقتصادياً قد يعيد فتح أبواب الاقتصاد السوري أمام النظام المالي والتجاري العالمي، بعد عقود من القيود التي أضعفت تدفقات الاستثمار والتمويل والتجارة الخارجية.
وتثير هذه التطورات تساؤلاتٍ حول مدى قدرة القرار على استعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، وتحفيز جهود إعادة الإعمار، وتهيئة بيئةٍ أكثر جذباً لرؤوس الأموال، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه تحديات اقتصادية وهيكلية تتطلب إصلاحات واسعة للاستفادة من هذا التحول.
بداية مسار جديد
وفي خطوةٍ عملية تعكس هذا التوجه، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس عزم إدارته على بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، معتبراً أن هذه الخطوة تمنح الشعب السوري فرصةً جديدة للنهوض وإعادة البناء، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية.
ويأتي ذلك استكمالاً للأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس الأميركي في 30 حزيران (يونيو) 2025 لتخفيف العقوبات على سوريا، استناداً إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع في مكافحة الإرهاب، والضمانات بعدم دعم أي أعمال إرهابية مستقبلاً.
وبذلك، يمثل رفع التصنيف خطوةً قوية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي، إذ يزيل أحد أبرز المعوقات أمام تدفق الاستثمارات والتمويل والتجارة، غير أن تحقيق الاستفادة الكاملة منه سيظل مرتبطاً باستكمال مسار تخفيف القيود والعقوبات الأخرى، بما يتيح انفتاحاً اقتصادياً أوسع خلال المرحلة المقبلة.
خسائر سنوات العقوبات
وتبرز أهمية هذه الخطوة عند النظر إلى التداعيات الاقتصادية العميقة التي خلفها إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، والتي ألقت بظلالها على مختلف مفاصل الاقتصاد السوري طوال العقود الماضية.
فمنذ إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، واجه الاقتصاد السوري قيوداً واسعة على الوصول إلى التمويل الدولي، وتراجعت فرص التجارة والاستثمار، كما أحجم العديد من البنوك والمؤسسات المالية عن تنفيذ التحويلات أو تمويل المشروعات المرتبطة بسوريا خشية التعرض للعقوبات.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تبلغ نحو 216 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في عام 2024، بما يعكس حجم التمويل الضخم المطلوب لإعادة بناء الاقتصاد وتعويض آثار سنوات العزلة والعقوبات.
.jpeg)
خطوة لاستعادة الثقة
وفي تعليق خاص لـ"النهار"، يرى الكاتب والمحلل السوري شريف شحادة أن بدء إجراءات رفع سوريا من القائمة يمثل تحولاً مهماً نحو استعادة ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، إذ يحسن شهية الاستثمار ويمهد لعودة البنوك والشركات الأجنبية إلى السوق السورية.
ويؤكد أن هذه الخطوة تمثل بداية مسار اقتصادي جديد، غير أن تحقيق آثارها الكاملة سيظل مرهوناً باستكمال تخفيف القيود والعقوبات الأخرى، وهو ما بدأت ملامحه تتجسد بالفعل عبر سلسلة من الخطوات والتطورات الاقتصادية التي تعكس تسارع انفتاح سوريا على الاقتصاد العالمي مثل إعادة ربط البلاد بنظام "سويفت" للمدفوعات.
انفتاح اقتصادي متسارع
وتؤكد التطورات الأخيرة هذا المسار، إذ شهدت سوريا خلال الفترة الماضية سلسلة من الخطوات التي تعكس تسارع إعادة دمجها بالاقتصاد العالمي، من بينها رفع العقوبات الأميركية، وإعادة ربط البلاد بنظام "سويفت" للمدفوعات، وإطلاق إصلاحات مصرفية، وإلغاء عقوبات "قانون قيصر"، إلى جانب إعلان "ماستركارد" جاهزيتها لمعالجة معاملات البطاقات الدولية داخل سوريا.
كما خصص الاتحاد الأوروبي نحو 620 مليون يورو (722 مليون دولار) لدعم التعافي خلال العام الحالي والعام المقبل، فيما عززت سوريا انفتاحها الاقتصادي بتوقيع اتفاقات ومذكرات تفاهم مع فرنسا في مجالات النقل والطيران والصحة والتجارة والقطاع المصرفي والبنية التحتية، بالتزامن مع توقعات وزير المالية السوري محمد يسر برنية بنمو الاقتصاد 10% خلال عام 2026، قبل أن يستقر بين 7 و8% خلال الأعوام الثلاثة التالية.
وتشير هذه التطورات إلى أن القرار الأميركي لا يمثل حدثاً منفصلاً، بل يأتي ضمن مسار أوسع لإعادة تأهيل الاقتصاد السوري وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار والتمويل الدوليين.
عوائد ومتطلبات
وفي ضوء هذه المؤشرات، يؤكد شحادة أن خروج سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النشاط الاقتصادي، من خلال تنشيط الاستثمارات في قطاعات الطاقة والمصارف والتكنولوجيا والعقارات، وتوسيع حركة التجارة، وتسريع جهود إعادة الإعمار، بما ينعكس على أداء القطاع الخاص وخلق فرص عمل وتحريك عجلة النمو.
ويضيف أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب مواصلة السعي نحو استكمال رفع القيود والعقوبات الأخرى، إلى جانب تسريع الإصلاحات الاقتصادية والمصرفية والتشريعية داخل البلاد، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين بيئة الاستثمار، بما يمكّن سوريا من تجاوز تحديات نقص التمويل، ورفع تنافسية اقتصادها، وتحويل الانفتاح السياسي إلى نموٍ اقتصادي مستدام.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لون الحكمة والهدوء يخطف الأنظار بأناقته
نبض