أرباح تخرج من أنقاض الحروب: كيف يشتري المستثمرون مستقبل مناطق النزاع؟

اقتصاد وأعمال 10-07-2026 | 12:08

أرباح تخرج من أنقاض الحروب: كيف يشتري المستثمرون مستقبل مناطق النزاع؟

يستثمر كثيرون في مناطق النزاع والحروب، مستغلين الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتقلبة لتحقيق أرباح كبيرة. بعضهم يشتري أصولاً وشركات في هذه المناطق بأسعار منخفضة، متوقعين تحسناً في الاستقرار مستقبلاً. كله مبني على الأمل.

أرباح تخرج من أنقاض الحروب: كيف يشتري المستثمرون مستقبل مناطق النزاع؟
جندي يحمل السلاح خلال فترة الحرب في سوريا (أ ف ب)
Smaller Bigger

الاستثمار في مناطق النزاع لا يشتري الحاضر والمستقبل بقدر ما يشتري احتمالاً ممكناً مداره أن يصمد وقف النار في أيّ نزاع وصولاً إلى تسوية وسلام، وأن تعود الطرق والمطارات والمصارف والسكان، فتتحول الأرض المهجورة أو الشركة المتعثرة أو المرفأ المدمر إلى أصول مطلوبة استثمارياً. وحين يتحقق هذا الاحتمال، ربما تكون الأرباح استثنائية. أما إذا تجددت الحرب، فربما يضيع رأس المال كله.

تتردد في الذاكرة اللبنانية رواية مفادها أن تجاراً من جنسيات مختلفة اشتروا خلال الحرب الأهلية عقارات واسعة على امتداد "الخط الأخضر" الفاصل بين بيروت الشرقية والغربية، ثم جنوا الملايين بعد انتهاء الحرب. لا مصادر أكاديمية وسجلات متاحة توثق هذه البيوعات، لكن الآلية التي تختصرها الرواية موثقة جيداً: أصحاب عقارات اضطروا إلى البيع تحت ضغط الخوف والهجرة والحاجة إلى السيولة، في مقابل مشترين امتلكوا المال والقدرة على الانتظار والمعلومات السياسية.

 

مبنى يحمل آثار الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية في لبنان (أ ف ب)
مبنى يحمل آثار الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية في لبنان (أ ف ب)

 


أوكرانيا: المستثمرون يشترون احتمال السلام

تتزايد منذ أشهر اللغة المتفائلة بشأن "فرصة أوكرانيا". شركات الإسمنت والطاقة والهندسة والمعدات الثقيلة وصناديق البنية التحتية تدرس المواقع والعقود وسلاسل التوريد، فيما يحاول المستثمرون تحديد الشركات الأوروبية التي قد تستفيد من فاتورة إعادة الإعمار.

لكن الأدق ليس القول إن سوقاً مبكرة للرهان على إعادة الإعمار بدأت تتشكل. وحتى تموز/يوليو 2026، تبقى الإشارات السياسية متناقضة: الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن التسوية أقرب من أيّ وقت مضى، بينما تفيد رويترز بأن موسكو تتجه إلى تصعيد عملياتها، مستفيدة من الانشغال الأميركي بإيران. المستثمر إذن لا يسعّر السلام، بل يسعّر احتمال السلام في أوكرانيا.

قدّر التقييم المشترك للحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة حاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 588 مليار دولار في عشرة أعوام، أي نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الأوكراني في 2025. وتشمل الحاجات أكثر من 96 مليار دولار للنقل، ونحو 91 ملياراً للطاقة، و90 ملياراً للإسكان، و63 ملياراً للتجارة والصناعة، و55 ملياراً للزراعة، كما تضرر أو دُمّر 14% من المساكن، بما أثر في أكثر من ثلاثة ملايين أسرة. لكن الأرقام الفعلية تكشف أن الاندفاع الاستثماري لا يزال محدوداً. فقد بلغ تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أوكرانيا نحو 1.6 مليار دولار في 2025، وكان 38.3% منه تقريباً عبارة عن أموال أوكرانية خرجت ثم عادت عبر مراكز مالية خارجية، فضلاً عن تحويل ديون شركات إلى رأسمال. وهذا بعيد جداً عن مئات المليارات المطلوبة.

ما يجري حالياً هو بناء شبكة لخفض المخاطر: تجاوز تمويل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD) لأوكرانيا خلال الحرب 10.5 مليارات يورو، ووقّع البنك في مؤتمر التعافي لعام 2026 تمويلات بقيمة 303 ملايين يورو مع 8 مصارف أوكرانية، يفترض أن تتيح قروضاً جديدة بنحو 845 مليون يورو. كذلك، أصدرت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار "ميغا" ضمانات بقيمة 573 مليون دولار منذ بدء الغزو الشامل، لحماية المستثمرين من مخاطر الحرب ونزع الملكية وقيود تحويل الأموال، بحسب EBRD. 

ومن أبرز الأمثلة الاستثمارية مشروع توسعة محطة تيليغولسكا لطاقة الرياح الذي تنفّذه "دي تي إي كيه" الأوكرانية بمعدات من "فيستاس" الدنماركية، باستثمار يقارب الـ 450 مليون يورو. وقد وُصف بأنه أكبر استثمار خاص في أوكرانيا منذ الغزو الروسي في 2022. هذا المثال مهم لأنه يوضح طبيعة المستثمر المبكر: شركة تدخل في قطاع حيوي، بتمويل وضمانات رسمية، لا مضارب يشتري أرضاً مجهولة المصير. 

 

محطة توليد كهرباء تضررت جراء هجمات روسية في موقع لم يُكشف عنه في أوكرانيا (أ ف ب)
محطة توليد كهرباء تضررت جراء هجمات روسية في موقع لم يُكشف عنه في أوكرانيا (أ ف ب)


سوريا: مليارات الاتفاقات قبل اكتمال الدولة

في سوريا تبدو الفرصة والمخاطرة أكبر. يقدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول المادية بنحو 216 مليار دولار، منها 75 ملياراً للمساكن، و59 ملياراً للمباني غير السكنية، و82 ملياراً للبنية التحتية. الرقم الإجمالي يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج السوري في 2024.

بعد سقوط نظام الأسد وبدء رفع القيود الغربية، تسارعت إعلانات الصفقات: أُعلن عن استثمارات سعودية بقيمة 6.4 مليارات دولار، واتفاق طاقة بنحو 7 مليارات دولار بمشاركة قطرية، واتفاق بقيمة 800 مليون دولار مع "موانئ دبي العالمية". وفي آب/أغسطس 2025، وقّعت دمشق 12 اتفاقاً معلناً بقيمة 14 مليار دولار، بينها مطار جديد لدمشق بقيمة 4 مليارات، ومترو للعاصمة بقيمة مليارَي دولار، ومشروع «أبراج دمشق» بالقيمة نفسها. في 2026، دخلت أسماء أوروبية على الخط، إذ وقعت CMA CGM اتفاقاً لإدارة الشحن الجوي وتشغيل مرفأين جافين، فيما بدأت "توتال إنرجيز" مناقشة التنقيب البحري عن النفط والغاز. لكن رئيس الشركة الفرنسية أقر بأن العودة إلى الحقول البرية ليست عملية حالياً بسبب استمرار المخاطر الأمنية. وهنا يظهر الفرق بين الإعلان والاستثمار: مذكرة التفاهم لا تعني أن المليارات صُرفت، والمشروع المعلن لا يساوي مصنعاً بُني أو مطاراً بدأ تشغيله.

 

بيروت: من خط النار إلى "بنك أراضٍ"

تمنح تجربة وسط بيروت مضموناً ملموساً للرواية المتداولة عن شراء العقارات أثناء الحرب. فعند تأسيس "سوليدير" في 1994، وضعت الشركة يدها، ضمن الإطار القانوني المخصص لإعادة الإعمار، على حقوق عقارية تغطي نحو 4 ملايين متر مربع، وحُوّلت ملكيات أصحاب الحقوق إلى أسهم، بينما دُعي مستثمرون جدد إلى ضخّ السيولة.

تقدّر دراسة حديثة لمختبر بيروت الحضري في الجامعة الأميركية في بيروت قيمة الإعفاءات والامتيازات والدعم العام الذي استفادت منه الشركة بنحو 3 مليارات دولار، منها قرابة مليارَي دولار مرتبطة بأراضي الواجهة البحرية المستصلحة، ونحو 470 مليون دولار من الإعفاءات الضريبية. في المقابل، وزّعت الشركة 1.2 مليار دولار من الأرباح، وباعت نحو 2.66 مليون متر مربع من الأراضي وحقوق البناء مقابل قرابة 4 مليارات دولار، ولا تزال تملك مخزوناً من الأراضي يبلغ نحو 1.35 مليون متر مربع. 

الخلاف الجوهري يتعلق بمن حصل على زيادة القيمة: قدرت حقوق المالكين الأصليين عند إنشاء الشركة بنحو مليار دولار، بينما رأى ممثلوهم أنها كانت تساوي ثلاثة مليارات. لكن كثيرين باعوا أسهمهم مبكراً بسبب الحاجة إلى المال، فانتقلت المكاسب اللاحقة إلى مشترين أكثر قدرة على الانتظار. وهكذا لم تكن الثروة في امتلاك العقار وحده، بل في القدرة على تحمّل سنوات الجمود، وفي الوصول إلى المعلومات والتمويل والنفوذ.

إعادة إعمار وسط بيروت أنجزت طرقاً وبنية تحتية ومساحات عمرانية عالية الجودة، لكنها قدمت أيضاً نموذجاً لما يمكن تسميته "خصخصة عائد السلام". فالدولة والمجتمع يتحملان كلفة الحرب والبنية الأساسية، بينما تتركز الزيادة في قيمة الأرض لدى عدد محدود من المساهمين والمطورين.

 

إعادة إعمار وسط بيروت أنجزت طرقاً وبنية تحتية ومساحات عمرانية عالية الجودة (الموقع الرسمي للجيش اللبناني)
إعادة إعمار وسط بيروت أنجزت طرقاً وبنية تحتية ومساحات عمرانية عالية الجودة (الموقع الرسمي للجيش اللبناني)

 

 

 

العراق والبوسنة: الاتصالات تدخل قبل الإسمنت

تظهر تجارب أخرى أن أول الاستثمارات الناجحة بعد النزاعات ليست عقارية دائماً. فقد وجد البنك الدولي أن شركات الهاتف المحمول تدخل أسواق ما بعد الحرب بسرعة، وأحياناً قبل التوصل إلى سلام كامل، لأن الطلب على الاتصال فوري، والإيرادات تبدأ أسرع من مشاريع الطرق والكهرباء والمياه. ففي العراق، اشترت مجموعة "زين" شركة "عراقنا" في 2007 مقابل 1.2 مليار دولار، لتنشئ شبكة تخدم نحو سبعة ملايين مشترك. وفي 2013 جمع طرح "آسياسيل" قرابة 1.27 مليار دولار، في واحد من أكبر الطروحات في تاريخ السوق العراقية. لم يكن العراق آمناً بالكامل، لكن المستثمرين راهنوا على خدمة أساسية يحتاج إليها السكان والدولة والقطاع التجاري مهما استمرت الاضطرابات.

أما البوسنة والهرسك، فقد احتاج برنامجها العاجل بعد "اتفاق دايتون" إلى نحو 5.1 مليارات دولار لإصلاح البنية التحتية وإطلاق النشاط الاقتصادي. وبحسب البنك الدولي، الدرس الأهم أن الأموال العامة والمنح الدولية تأتي أولاً لترميم الطرق والطاقة والمصارف والمؤسسات، ثم يتبعها رأس المال الخاص حين تصبح المخاطر قابلة للحساب. لكن استمرار ضعف الاقتصاد البوسني بعد عقود يبرهن أن تدفق أموال الإعمار لا يكفي وحده لبناء اقتصاد تنافسي. 

 

الأرباح الكبيرة ليست مجانية

تشير دراسة صندوق النقد الدولي لتجارب ما بعد الحرب إلى أن الاقتصاد، عندما يصمد السلام، يرتفع في المتوسط بنحو 3.9% خلال السنوات الخمس التالية لانتهاء النزاع، ولا يستعيد إلا نحو نصف الناتج الذي فقده. أما عند تجدّد الحرب، فإن التعافي يكاد يتوقف. كذلك يبقى تكوين رأس المال والإنتاجية ضعيفين فترة طويلة بسبب الغموض وصعوبة التمويل. لذلك، لا يستثمر المحترفون في "انتهاء الحرب" بوصفه خبراً صحافياً، بل في منظومة شروط: ضمان أمني، قضاء مستقلّ قابل للعمل، ملكية واضحة، تأمين ضد المخاطر السياسية، شريك محلي موثوق مالياً، تمويل طويل الأجل. 

الفارق الأخلاقي أساسي أيضاً؛ فشراء شركة متعثرة وتمويل عودتها إلى الإنتاج يمكن أن يُحدث وظائف ويعيد الخدمات، أما شراء منزل من عائلة نازحة بسعر بخس، اعتماداً على معلومات عن طريق جديدة أو قرار استملاك لم يُعلن بعد، فقد يحقق أرباحاً هائلة، لكنه ينتمي إلى اقتصاد الافتراس أكثر ممّا ينتمي إلى الاستثمار.

الأكثر قراءة

النهار تتحقق 7/8/2026 11:54:00 AM
تساءل مستخدمون عن صحة هذا الخبر، وتمنى بعضهم أن يكون صحيحاً.
لبنان 7/9/2026 12:40:00 PM
هذه القصص تبقى للمؤمنين رسائل أمل تتجاوز الحدود
فن ومشاهير 7/5/2026 4:53:00 PM
وكان خان قد كشف عن علاقتهما للمرة الأولى خلال احتفاله بعيد ميلاده الستين، عندما قدّم غوري أمام وسائل الإعلام بوصفها شريكة حياته.
فن ومشاهير 7/7/2026 4:42:00 PM
شاركت مجموعة من الصور التي جمعتهما خلال حضورهما حفل زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي.