اليوان الصيني يدخل أفريقيا من بوابة المقاصة... هل بدأ تفكيك احتكار الدولار؟
شفيق طاهر
ليست الخطوة المالية الصينية الأخيرة في أفريقيا مجرد تفصيل مصرفي تقني، بل حلقة جديدة في معركة أوسع على هندسة المدفوعات العالمية. فقد حصل مصرفان أفريقي وصيني، على تفويض من بنك المركزي الصيني لتشغيل بنك مقاصة الرنمينبي لأفريقيا (الرنمينبي الاسم الرسمي ليوان الصيني)، بما يسمح بتسوية معاملات اليوان في 19 دولة أفريقية. وتكتسب الخطوة رمزيتها من كونها أول مقاصة لليوان تحمل اسم قارة كاملة.
فبدلا من أن تمر التجارة الثنائية دائما عبر الدولار، تفتح المقاصة الجديدة طريقا أقصر أمام الشركات والبنوك الأفريقية للوصول إلى نظام الدفع والسيولة الصينيين. لذلك، تبدو الخطوة أقل من ثورة نقدية شاملة، لكنها أكبر بكثير من خدمة مصرفية عادية.

مقاصة تختصر الطريق إلى الصين
الأهمية العملية للمقاصة واضحة. فالشركة الأفريقية التي تستورد معدات من الصين كانت تمر غالبا عبر مسار مكلف، تحويل العملة المحلية إلى الدولار، ثم تحويل الدولار إلى اليوان أو إلى حساب المورد الصيني. كل حلقة في هذا المسار تعني عمولات، وفروق أسعار صرف، وتأخيرا في التسوية، ومخاطر إضافية إذا تحركت العملات بين لحظة الاتفاق ولحظة الدفع.
المقاصة الجديدة لا تلغي هذه الكلفة، لكنها تختصر الطريق. فهي تمنح الشركات والمؤسسات المالية الأفريقية وصولا أكثر مباشرة إلى البنية التحتية الصينية للمدفوعات والسيولة والأسواق.
الدولار لا يسقط… لكنه يفقد بعض الضرورة
مع ذلك، فإن قراءة الخطوة كضربة للدولار ستكون مبالغة. الدولار لا يزال العملة المركزية في التسعير، والتمويل، والاحتياطيات، والديون، وأسواق السلع. أما اليوان فيتوسع من قاعدة أصغر بكثير، إذ لا تزال حصته من الاحتياطيات العالمية محدودة مقارنة بالدولار، كما أن حضوره في المدفوعات العالمية يبقى أقل بكثير من العملة الأميركية.
لذلك، فإن الوصف الأدق لما يحدث ليس نهاية الدولار، بل بداية تآكل احتكاره لبعض الممرات التجارية. الصين لا تسقط الدولار في أفريقيا، لكنها تبني ممرا حوله. وكلما كبرت التجارة الصينية الأفريقية، وزادت الفوترة باليوان، تراجعت الحاجة إلى الدولار في الصفقات التي لا يوجد فيها طرف أميركي أصلا. وهذا هو التحول الحقيقي، الدولار لا يفقد عرشه فورا، لكنه قد يفقد تدريجيا صفة الممر الإجباري في كل صفقة.
الخطر على الدولار لا يبدأ من فقدان مكانته كعملة احتياط عالمية، فهذا ما زال بعيدا، بل من تآكل وظيفته كمعبر إلزامي بين أطراف غير أميركية. فعندما تستطيع شركة أفريقية أن تدفع لمورد صيني باليوان، أو تستطيع حكومة أفريقية أن تعيد هيكلة قرض صيني بالرنمينبي، فإن الدولار لا يخرج من النظام العالمي، لكنه يخرج من صفقة محددة لم يكن طرفا مباشرا فيها أصلا. لذلك تبدو مقاصة اليوان في أفريقيا تدريبا عمليا على عالم لا يمر كله عبر نيويورك ولندن.

اليوان المقيد
غير أن الطريق أمام اليوان لا يزال مقيدا. فالعملة الصينية ليست قابلة للتحويل الكامل بسبب ضوابط رأس المال في الصين، وهذا يحد من جاذبيتها كعملة احتياط أو تمويل حر. كما أن المقترض الأفريقي الذي يحول ديونه من الدولار إلى اليوان قد يربح من انخفاض كلفة الفائدة، لكنه يتحمل خطرا جديدا يتمثل في تقلب عملته المحلية أمام اليوان. تجربة كينيا، التي حولت قروضا صينية للسكك الحديدية من الدولار إلى اليوان وخفضت كلفة خدمة الدين، قد تغري دولا أخرى، لكنها لا تلغي مخاطر الاعتماد على عملة ما زالت تخضع لإدارة سياسية صارمة.
لن تسقط الصين الدولار في أفريقيا، لكنها توسع المساحة التي يمكن العمل فيها من دونه. هذا الممر سيكبر كلما كبرت التجارة مع الصين، وكلما احتاجت الحكومات الأفريقية إلى تمويل أقل كلفة وأقل ارتباطا بالدولار الأميركي.
أما الدولار فسيظل، في المدى المنظور، عملة الثقة والسيولة العميقة. المعركة إذن ليست على إسقاط الدولار غدا، بل على تقليص عدد الصفقات التي تحتاج إلى إذنه، وكل مقاصة جديدة باليوان تعني أن جزءا صغيرا من التجارة العالمية بات يبحث عن طريق لا يبدأ من الدولار ولا ينتهي عنده.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
نبض