أموال العراق المنهوبة: خريطة النهب والاسترداد بعد المداهمات الأخيرة

اقتصاد وأعمال 06-07-2026 | 11:36

أموال العراق المنهوبة: خريطة النهب والاسترداد بعد المداهمات الأخيرة

تعرف على تحديات استرداد أموال العراق المنهوبة منذ 2003، مع تفاصيل عن شبكات الفساد وأحدث المداهمات وفرص استعادة الثروات الوطنية.

أموال العراق المنهوبة: خريطة النهب والاسترداد بعد المداهمات الأخيرة
عناصر أمن عراقيون يحرسون أحد شوارع بغداد، 28 يونيو 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

ليست أموال العراق المنهوبة كتلة واحدة يمكن البحث عنها في خزنة سرية، ولا رقماً واحداً يمكن استعادته بقرار سياسي أو مداهمة أمنية. إنها شبكة معقدة من الحسابات المصرفية، والعقارات، والشركات الوهمية، والعقود الحكومية، ومزادات الدولار، وصفقات النفط والوقود، امتدت منذ عام 2003 داخل العراق وخارجه. فأين ذهب المال؟ ومن يملكه اليوم؟ وبأي أدوات قانونية ومالية يمكن استعادته؟


التقدير الأكثر تداولاً جاء على لسان الرئيس العراقي السابق برهم صالح في عام 2021، حين قال إن نحو 150 مليار دولار من أموال الفساد هُرّبت إلى الخارج منذ عام 2003، من أصل قرابة تريليون دولار دخلت العراق من عائدات النفط. هذا الرقم لا يمثل كشفاً حسابياً نهائياً، لكنه يقدم مؤشراً سياسياً واقتصادياً لحجم الكارثة: دولة نفطية غنية، لكنها مثقلة ببنية فساد جعلت جزءاً ضخماً من ثروتها يتحول إلى أرصدة خاصة وأصول خارجية.


لكن ما يمكن إثباته قضائياً حتى الآن أقل كثيراً من هذا الرقم. ففي آذار/مارس 2026، أعلن صندوق استرداد أموال العراق أنه استعاد نحو 379 مليون دولار من الخارج، وأن هناك أموالاً أو أصولاً عراقية مجمدة أو قيد التحقيق في تركيا بقيمة 193 مليون دولار، وفي الأردن بنحو 700 مليون دولار، وفي سوريا بنحو 1.45 مليار دولار، فيما قُدمت عشرات طلبات المساعدة القضائية ضد أفراد وكيانات يشتبه بحيازتها أموالاً عراقية مهرّبة.

 

من الداخل بدأ النهب

الجزء الأكبر من القصة يبدأ داخل العراق نفسه. فالأموال المنهوبة لم تغادر دائماً مباشرة إلى الخارج، بل تحولت أولاً إلى عقارات، وشركات واجهة، وحسابات مصرفية، وعقود حكومية وهمية أو مضخمة. المثال الأبرز هو ما عُرف بـ"سرقة القرن" في عام 2022، حين سُحب نحو 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية عبر شركات وهمية وبمساعدة موظفين وشبكات سياسية ومالية. وبحسب تحقيقات صحافية، حُوّل جزء من هذه الأموال إلى عقارات في بغداد، ما يعكس الطريقة التقليدية لغسل المال: تحويل النقد المسروق إلى أصول يصعب لاحقاً ربطها بالجريمة الأصلية.


إلى جانب ذلك، برز مسار آخر أكثر تعقيداً يتعلق بالنفط والوقود المدعوم. فقد كشفت رويترز عن شبكة تهريب لزيت الوقود الثقيل قد تولد بين مليار و3 مليارات دولار سنوياً، عبر تحويل منتجات مدعومة إلى صادرات خارجية، أو خلطها بمنتجات إيرانية، أو تصديرها بوثائق مزورة. هنا لا نتحدث فقط عن مال نُهب في الماضي، بل عن نزف مستمر من المال العام ومنظومة الدعم والطاقة.


عنصر من قوات الأمن العراقية في أحد شوارع بغداد، 28 يونيو 2026. (أ ف ب)
عنصر من قوات الأمن العراقية في أحد شوارع بغداد، 28 يونيو 2026. (أ ف ب)

 

أين الأموال؟

الخريطة الأولية تشير إلى عدة محطات. في لبنان، ظهرت حسابات مصرفية وعقارات مرتبطة بملفات فساد عراقية، وتمكن العراق في 2026 من استعادة أكثر من 3 ملايين دولار في قضية تعود إلى أموال بلدية بغداد، بعدما سبق له أن استعاد أكثر من 9 ملايين دولار من مصارف لبنانية وُضعت فيها الأموال بأسماء مستعارة.


في تركيا والأردن وسوريا، تتحدث الجهات العراقية عن أصول وأموال مجمّدة أو قيد التحقيق بمئات ملايين الدولارات، بل بأكثر من مليار دولار في الحالة السورية. أما داخل العراق، فهناك النقد، والذهب، والعقارات، والشركات الواجهة، والعقود التي تجعل تتبع المال أصعب من ملاحقة الشخص نفسه.


هناك أيضاً مسار المصارف ومزاد الدولار. فقد حظر العراق في 2024 ثمانية مصارف محلية من التعامل بالدولار، ضمن إجراءات للحدّ من الاحتيال وغسل الأموال وتهريب العملة، خصوصاً مع الضغوط الأميركية لمنع انتقال الدولار إلى إيران وشبكات مرتبطة بها. هذا المسار مهمّ لأنه يكشف أن تهريب المال لا يجري دائماً بحقائب نقدية، بل عبر فواتير استيراد مزوّرة، وشركات تجارية، وتحويلات مصرفية تبدو قانونية في ظاهرها.

لماذا يصعب الاسترداد؟

استعادة الأموال المنهوبة أصعب من كشف الفساد. فالحكم على مسؤول بالسجن لا يعني تلقائياً عودة المال إلى الخزينة. المشكلة الأساسية، وفق ما خلص تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في حزيران/يونيو 2026، هي الفجوة بين المساءلة الجنائية والاسترداد الفعلي للأصول. العراق يمتلك إطاراً قانونياً منسجماً عموماً مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لكن ضعف التنسيق بين القضاء وهيئات الرقابة والتحقيق يجعل كثيراً من القضايا تنتهي بإدانة سياسية أو جنائية لا توازيها مصادرة حقيقية للأموال.


لذلك، فإن الطريق العملية للاسترداد يبدأ بتجميد فوري للأصول، قبل أن تُباع العقارات أو تُنقل الحسابات أو يُهرّب الذهب والنقد. بعد ذلك، لا بدّ من تتبّع "المستفيد الحقيقي"، أي الشخص الذي يملك المال فعلياً حتى لو كانت الشركة أو الحساب مسجّلاً باسم آخر. ثم تأتي مرحلة طلبات المساعدة القضائية من الدول التي توجد فيها الأموال، وصولاً إلى المصادرة المدنية أو الجنائية وإعادة إدخال الأموال المستردّة في الموازنة العامة.


أموال مستردة في صولة الفجر الأخيرة. (واع)
أموال مستردة في صولة الفجر الأخيرة. (واع)

 

المداهمات الأخيرة: فرصة أم مشهد عابر؟

المداهمات التي حصلت في بغداد قبل أيام قد تكون نقطة تحول إذا أُديرت كعملية مالية لا كاستعراض أمني. فقد اعتقلت القوات العراقية سياسيين ومسؤولين كباراً داخل المنطقة الخضراء، وتحدثت وكالة الأنباء العراقية عن توقيف 47 مشتبهاً بهم، بينهم نواب ومسؤولون، ضمن حملة أمر بها رئيس الوزراء علي الزيدي.


أهمية هذه الحملة لا تكمن فقط في عدد الموقوفين، بل في ما يمكن أن تكشفه التحقيقات: أسماء الشركاء، دفاتر التحويل، العقود الوهمية، سندات العقارات، أرقام الحسابات، أسماء المصارف، وشبكات المستفيدين. إذا تحولت الاعترافات والوثائق إلى أوامر تجميد داخل العراق وخارجه خلال أيام، لا أشهر، فقد تفتح المداهمات طريقاً جدية لاستعادة جزء من المال المنهوب. أما إذا بقيت في حدود الاعتقال الإعلامي، فستضاف إلى تاريخ طويل من حملات مكافحة الفساد التي تعاقب الأشخاص ولا تعيد الأموال.


خريطة رقمية للنهب

أي خريطة رقمية لهذا الملف يجب أن تعرض خمس طبقات مترابطة: مصدر المال داخل العراق، طريق خروجه، الدولة أو القطاع الذي وصل إليه، نوع الأصل النهائي، وحالة الاسترداد. عندها تظهر الصورة بوضوح: العراق لا يطارد مبلغاً واحداً، بل منظومة كاملة حوّلت الدولة إلى ماكينة لإنتاج الثروات الخاصة.


استرداد أموال العراق يبدأ من المداهمة، لكنه لا يكتمل إلا حين ينتهي بحساب مجمد، وعقار مصادر، وشركة واجهة مكشوفة، وشبكة سياسية مالية أمام القضاء. وما لم يتحول شعار مكافحة الفساد إلى هندسة دقيقة لتتبع المال، فستبقى الأموال المنهوبة مبعثرة بين عواصم ومصارف وعقارات، وسيبقى العراقيون يعرفون أن بلادهم غنية، لكنهم لا يعرفون أين ذهبت ثروتها.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 7/4/2026 11:17:00 PM
حمل الجنسيتين السورية واللبنانية ومتورط في جرائم مخدرات مرتبطة بالإرهاب.
سياسة 7/4/2026 3:04:00 PM

بعد 20 يوماً على انقطاع الاتصال بالشبان الأربعة قرب بلدتي برعشيت ومجدل سلم، نجحت دورية من الجيش اللبناني في العثور على جثثهم في وادي السلوقي، وبينهم الجريح محمد علي حسن.

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.