تجار حروب: آخرهم الكوري الجنوبي غا-هيون تشونغ!

اقتصاد وأعمال 07-07-2026 | 11:04

تجار حروب: آخرهم الكوري الجنوبي غا-هيون تشونغ!

رجال أعمال لا يربحون لأنهم أذكى فحسب، بل لأنهم يمتلكون الأصل النادر في اللحظة المناسبة.

تجار حروب: آخرهم الكوري الجنوبي غا-هيون تشونغ!
ناقلة عملاقة تابعة لأسطول سينوكور الذي يملكه رجل الأعمال الكوري غا-هيون تشونغ. (سينوكور)
Smaller Bigger

ليست الحرب، اقتصادياً، فرصة للمجتمعات. إنها تدمير لرأس المال، وتعطيل للتجارة، ورفع لكلفة المعيشة، واستنزاف للمال العام. لكنها في الوقت نفسه تصنع ندرة مفاجئة، وتفتح أبواب إنفاق حكومي طارئ، وتخلق أقساط مخاطر هائلة في الشحن والتأمين والطاقة والسلاح. هنا يظهر رجال أعمال لا يربحون لأنهم أذكى فقط، بل لأنهم يمتلكون الأصل النادر في اللحظة المناسبة: ناقلة نفط، مصنع ذخيرة، شركة أمن خاص، شبكة وساطة، أو قدرة على نقل سلعة لا يجرؤ غيرهم على نقلها.

 

غا-هيون تشونغ: الحرب تكافئ من يملك "عنق الزجاجة"

القصة الأقرب إلينا اليوم هي قصة رجل الأعمال الكوري الجنوبي غا-هيون تشونغ، مالك شركة Sinokor. الفكرة ليست أنه صنع سلاحاً أو موّل حرباً، بل أنه راهن على نقطة الاختناق في الاقتصاد العالمي: نقل النفط. قبل التصعيد في الخليج، راكم أسطولاً ضخماً من ناقلات النفط العملاقة، في وقت اعتبره كثيرون مقامرة خطرة. ثم جاءت حرب إيران وتعطّل مضيق هرمز، فتحوّلت الناقلات إلى أصل نادر، وارتفعت أجور الشحن والتخزين العائم إلى مستويات استثنائية. تقارير حديثة تشير إلى أن Sinokor بنت أسطولاً يفوق 160 ناقلة، بينها عدد كبير من ناقلات VLCC، وأن رهان تشونغ ترافق مع تمويل من عائلة أبونتي المالكة لـMSC، التي ظهرت لاحقاً في صفقة للاستحواذ على 50% من Sinokor .

الأرقام تشرح القصة: في ذروة اضطراب هرمز، تحدثت تقارير عن تأجير ناقلات للتخزين العائم بنحو 500 ألف دولار يومياً، فيما أشارت رويترز إلى أن كلفة استئجار ناقلات في الخليج قفزت من نحو 106.5 آلاف دولار يومياً إلى 190.5 ألفاً خلال أسبوع، وأن بعض ناقلات VLCC على مسارات الخليج بلغت ما يصل إلى 470 ألف دولار يومياً. هذا هو جوهر الربح الحربي في قطاع الشحن: لا تُباع الحرب نفسها، بل تُباع القدرة على العمل وسط الخطر. 

 

جورج بروكوبيو. (رويترز)
جورج بروكوبيو. (رويترز)

 

جورج بروكوبيو: الشحن اليوناني حين يصبح الخطر سعراً

جورج بروكوبيو هو أحد كبار أقطاب الشحن اليونانيين، ومؤسس مجموعات Dynacom Tankers وDynagas وSea Traders. تقدّر فوربس ثروته العائلية بنحو 4.7 مليارات دولار، وهي ثروة مبنية أساساً على السفن وناقلات النفط والغاز.

في حرب إيران، لم يربح بروكوبيو من بيع السلاح، بل من شيء أكثر حساسية: الخوف من مضيق هرمز. حين ترددت شركات كثيرة في إرسال ناقلاتها إلى المنطقة بسبب خطر الصواريخ والمسيّرات والألغام، أرسل بروكوبيو، عبر Dynacom، عدداً من ناقلاته إلى المضيق، مستفيداً من ندرة السفن المستعدة للمخاطرة. وذكرت تقارير أن خمس ناقلات على الأقل مرتبطة به عبرت هرمز خلال التصعيد.

أما مقدار الربح الفعلي، فلا يوجد رقم معلن ومؤكد، لأن عقود التأجير الخاصة لا تُكشف دائماً. لكن التقدير الممكن يأتي من أسعار السوق: عُرضت ناقلات Dynacom للإيجار بنحو 440 ألف دولار يومياً، أي قرابة أربعة أضعاف مستويات ما قبل الحرب. وإذا افترضنا أن السعر الطبيعي كان نحو 110 آلاف دولار يومياً، فهذا يعني علاوة حرب تقارب 330 ألف دولار يومياً للناقلة الواحدة. على خمس ناقلات، قد يصل الهامش الإضافي إلى نحو 1.65 مليون دولار يومياً إذا أُجّرت كلها بهذه الأسعار.

بمعنى آخر، ربح بروكوبيو من تحويل المخاطرة إلى سعر: كلما ابتعد الآخرون عن هرمز، ارتفعت قيمة الناقلة التي تقبل العبور. هذه ليست أرباح حرب مباشرة بقدر ما هي أرباح “علاوة الخطر” في سوق الطاقة والشحن.

 

إريك برنس: خصخصة الأمن

بعد 2003، أصبحت الحروب الأميركية مختبراً ضخماً لشركات الأمن الخاصة. إريك برنس، مؤسس "بلاكووتر"  Blackwater، بنى اسمه في هذا السوق عبر عقود حراسة وحماية في العراق وأفغانستان. تقارير لاحقة قالت إن الشركة حصلت على أكثر من مليار دولار من العقود الحكومية الأميركية، قبل أن تغرق في الجدل بعد مقتل مدنيين عراقيين في بغداد عام 2007 وتحوّل اسمها إلى رمز لمخاطر خصخصة الحرب. 

هنا يختلف نموذج الربح عن تشونغ. تشونغ امتلك ناقلات؛ برنس امتلك رجالاً مسلحين وخدمات أمنية. الأول يبيع قدرة نقل وسط الخطر، والثاني يبيع حماية وسط الفوضى. كلاهما يتحرك في سوق لا يولد إلا حين تعجز الدولة أو الجيوش النظامية عن تغطية كل شيء بنفسها.

 

صورة أرشيفية لمروحية في بغداد تحمل عناصر تابعة لمرتزقة بلاكووتر. (أ ف ب)
صورة أرشيفية لمروحية في بغداد تحمل عناصر تابعة لمرتزقة بلاكووتر. (أ ف ب)

 

سركيس سوغاناليان وعدنان خاشقجي: وسيطا المنطقة الرمادية

في الشرق الأوسط والحرب الباردة، لعب الوسطاء دوراً ضخماً. سركيس سوغاناليان، اللبناني الأرمني، وُصف بأنه أحد أكبر تجار السلاح الخاصين في الحرب الباردة، وارتبط اسمه بصفقات سلاح للعراق خلال حربه مع إيران، إضافة إلى لبنان ونيكاراغوا وأنغولا. 

أما عدنان خاشقجي، فمثّل نموذج الوسيط شديد النفوذ بين شركات السلاح الغربية والحكومات، خصوصاً في صفقات السلاح السعودية، ثم ظهر اسمه في فضيحة إيران–كونترا، حيث لعب دوراً تمويلياً ووسيطاً في عمليات معقدة لبيع السلاح. الغارديان أشارت في نعيه إلى أنه وفر 25 مليون دولار كتمويل مرحلي في ملف إيران–كونترا. 

 

باسل زاهاروف: "تاجر الموت" الكلاسيكي

كان باسل زاهاروف، واسمه الأصلي زكريا باسيليوس زاخاروف، واحداً من أكثر رجال الأعمال إثارة للجدل في تاريخ تجارة السلاح. وُلد عام 1849 في موغلا داخل الدولة العثمانية لعائلة يونانية، وتوفي عام 1936 في مونت كارلو. لم يبدأ حياته من موقع ثراء أو نفوذ، بل شق طريقه عبر التجارة والوساطة، قبل أن يدخل عالم السلاح في أواخر القرن التاسع عشر، حين عمل ممثلاً لشركة Nordenfelt السويدية، ثم ارتبط لاحقاً بشركة Vickers البريطانية، إحدى أهم شركات الصناعات العسكرية في أوروبا.

اشتهر زاهاروف بلقب “تاجر الموت”، لأنه بنى ثروته على بيع السلاح في بيئات التوتر والحروب، وأحياناً لأطراف متخاصمة في الوقت نفسه. كان بارعاً في تحويل الخوف بين الدول إلى طلب دائم على المدافع، الرشاشات، الغواصات والذخائر. لم يكن مجرد بائع، بل وسيط نفوذ يعرف كيف يقترب من السياسيين والصحافة والمصارف، ويستخدم العلاقات العامة لخدمة مصالح شركات السلاح. 

بلغ نفوذه ذروته قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها، حين أصبح قريباً من دوائر القرار في بريطانيا وفرنسا واليونان، ونال لقب “سير” من بريطانيا تقديراً لخدماته للحلفاء. ومع ذلك، ظل اسمه مرتبطاً بالشبهات: تضخيم المخاوف، تسويق سباقات التسلح، والاستفادة من الحروب لا من انتهائها. تكشف سيرته الوجه الأقدم لاقتصاد الحرب: رجل لا يصنع المعارك بنفسه، لكنه يعرف كيف يربح من خوف الدول بعضها من بعض. 

 

كيف يراكم رجال الأعمال الأموال من الحروب؟

الربح من الحرب يأتي عبر سبعة أبواب رئيسية:

1. شراء الأصل قبل الذعر. تشونغ اشترى الناقلات قبل أن تصبح نادرة. من يملك المخزون قبل الأزمة يبيع بسعر الأزمة.
2. السيطرة على عنق الزجاجة. المضائق، الموانئ، الذخيرة، التأمين، النقل، الأقمار الصناعية، والبيانات تصبح أهم من السلعة نفسها.
3. العقود الحكومية الطارئة. الدولة في الحرب تدفع بسرعة، وتقبل أسعاراً أعلى، وتخفف شروط المنافسة بحجة الحاجة العاجلة.
4. علاوة المخاطر. كلما زاد الخطر زادت الأجور: ناقلة تمر قرب الصواريخ، حارس يعمل في بغداد، أو شركة تؤمن شحنة إلى منطقة محظورة.
5. التقلب السعري. تجار النفط والغاز والحبوب والمعادن لا يحتاجون إلى امتلاك الحرب؛ يكفي أن يتقنوا التحوط والتخزين والشراء والبيع في سوق مرتبكة.
6. العقوبات. العقوبات لا توقف التجارة دائماً، لكنها تعيد توزيعها على من يستطيع التحرك في المساحات الرمادية: ناقلات أقدم، أعلام دولية، شركات واجهة، وسلاسل تمويل معقدة.
7. تسويق السلاح باعتباره "مجرّباً في الحرب". أوكرانيا وغزة وهرمز تحولت إلى ساحات اختبار. السلاح أو البرنامج الذي يثبت نفسه في الحرب يصبح أسهل بيعاً في السوق العالمية.

 

ولكن... هل كل ربحٍ من الحرب جريمة؟

ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات. الأول مشروع نسبياً: شركة تنقل النفط أو تصنع ذخيرة بطلب من دولة وتخضع للقانون؛ الثاني رمادي: شركة تستغل الندرة لفرض أسعار ضخمة، أو تدخل سوقاً يعرف الجميع أنه قائم على العقوبات والالتفاف عليها؛ والثالث إجرامي أو فاسد: تهريب سلاح، رشوة، تضخيم فواتير، بيع لأطراف محظورة، أو تغذية صراع لإبقاء الطلب قائماً.

قصة رجل الأعمال الكوري تكشف الشكل الأحدث من هذا الاقتصاد: لم يعد "تاجر الحرب" بالضرورة رجلاً يحمل حقيبة صفقات سلاح في الظل؛ قد يكون مالك أسطول، مستثمراً في الذكاء الاصطناعي، أو وسيط شحن يعرف أن الخوف نفسه يتحول إلى سعر. الحرب، في النهاية، لا تصنع الثروة للجميع، بل تنقلها من الخاسرين الكثر إلى قلّة تعرف الطريق المباشر إلى الربح.

الأكثر قراءة

حول العالم 7/4/2026 10:27:00 AM
يُعد الهيمبا من أكثر القبائل وداً في أفريقيا، لكنهم يرفضون أي ممارسات قد تهدد قيمهم وتقاليدهم.

فن ومشاهير 7/3/2026 11:00:00 AM
كشفت النجمة لبلبة في برنامج باب الخلق مع محمود سعد عن الأسباب الحقيقية وراء عدم زواجها مجدداً بعد الفنان حسن يوسف، وعلاقة النجم الكبير عادل إمام بالأمر.
موضة وجمال 7/6/2026 2:00:00 PM
الأبيض الرومانسي ينافس الألوان الجريئة