لبنان: من "بورة كسر" الى حلقة وصل
جان كلود سعاده
بعد سنوات الإزدهار والمحاولات الجديّة القليلة والوحيدة في تاريخ الجمهورية اللبنانية لبناء دولة حقيقية، دخل لبنان مرحلة سياسة الساحات المفتوحة والحروب التي لا تنتهي. وبعد أن كان جاذباً للمال والأعمال والثقافة والسياحة العربية بدأ مرحلة التراجع والتقوقع وتحول الى بؤرة للمشاكل والفساد والصراعات التي لاتنتهي والتي لا يريد أحد من الخارج أن "يلمسها بعصا" كما يقولون.
تحول لبنان من مركز للنشاط الإقتصادي والثقافي الى "بورة للكسر" على أطراف الشرق الأوسط يتم فيها تجميع المشاكل والصراعات بينما انتقل الثقل الإقتصادي والمالي والتكنولوجي والسياسي وكل شيء آخر الى بلدان أخرى في المنطقة. حتى الممرات الاقتصادية الثلاث التي يتم العمل عليها حالياً قامت بتحييد لبنان وتجاهله تماماً.
1 - الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) وهو ممر متعدد الوسائط يربط الهند بالإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، ثم بحراً إلى أوروبا.
2 - طريق التنمية (القناة الجافة) وهو مشروع عراقي تركي يربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بتركيا وأوروبا عبر شبكة سكك حديدية وطرق سريعة.
3 - مشروع خط سكة حديد الحجاز الجديد وهو ممر بري مقترح يربط دول الخليج بتركيا وأوروبا عبر الأردن وسوريا كبديل للممرات البحرية.
لكن الأحداث الأخيرة في الخليج ومسألة مضيق هرمز وإهتزاز فكرة "الإستقرار والإزدهار بلا حدود" في دول الخليج غيّرت المعطيات الجيوستراتيجيّة في منطقة الشرق الأوسط، كما أوجدت حاجة مُلِحّة لخطوط تجارة آمنة وبديلة عن مضيق هرمز سواء تم حل مشكلة المضيق او بقيت عرضة للتوترات والتجاذبات. فدول الخليج عموما وخصوصاً الدول التي ليس لها منفذ آخر غير هرمز ( الكويت، البحرين وقطر إضافةً الى العراق) تريد خطاً آمناً لتجارتها بعيداً عن مضائق هرمز وباب المندب ولو من باب الإحتياط.

فرصة للبنان للعب دور صلة وصل
لكن كما ذكرنا، يبقى التوجه الأساسي للمشاريع المطروحة حتى اليوم هو نحو تركيا كبوابة الى أوروبا مروراً بالعراق او بالأردن وسوريا، أو عبر الموانئ السورية الى المتوسط. في هذا الظرف الجيوسياسي، كيف يمكن للبنان أن يخلق فُرصة للعب دور صلة الوصل من جديد، وكيف يُقنع الدول المعنية ومشاريع الممرات بالتحول نحوه؟
لا يسعنا هنا إلّا أن نرى فرصة متاحة أمام لبنان ليكون باب العبور ومنصة للتجارة وصلة الوصل الطبيعيّة بين الخليج و الأسواق الأوروبية والعالمية وأن يقدم لدول الخليج هذا الخيار الإحتياطي الذين يبحثون عنه للوصول الآمن والسهل الى أسواق أوروبا. إنه إمتحان للبنان المعزول والمتروك خارج الممرات الإقتصادية بما فيها التجارة والنفط والغاز والكهرباء والانترنت، ليحاول أن يكون مجدداً باب العرب على العالم إذا عرف كيف يتعامل مع المتغيرات ويلتقط الفرص.
فارق أساسي
لكن هذه المرة هناك فارق أساسي عن الدور القديم الذي كان لبنان يلعبه في الماضي.
فالإنتظار وطلب المساعدة لن ينفع، خصوصاً أن الدول المعنية منشغلة بمشاكلها وجميع الممرات المطروحة لا تلحظ لبنان في مخططاتها. فهذه المرة سوف يكون على لبنان واللبنانيين أن يغيّيروا مقاربتهم ويبادروا الى تقديم حل وبناء بوابة للتجارة والطاقة والاتصالات لا يمكن لدول الخليج والمنطقة تجاهلها. هذه المرة على لبنان أن يعتمد مقاربة build it and they will come أو للتبسيط "إذا تمكنت من بناء ما يستحق، فسوف يأتون إليك".
لكن التجربة المُرّة خلال العقود الأخيرة، والفشل المُدوي في إدارة البلد والشأن العام تقودنا الى طرح مجموعة من الأسئلة البديهيّة:
- هل هناك من يأخذ المبادرة لإلتقاط هذه الفرصة قبل فوات الأوان؟
- هل يمكن للبنان أن يؤمن الأجواء المؤاتية لمرور جزء من الحركة الإقتصادية عبر أراضيه ومياهه وموانئه ومطاراته؟
- هل بامكان لبنان أن يطوّر البُنى التحتيّة والخدمات اللوجستيّة بالسرعة اللازمة لإقناع الدول التي تبحث عن "خيار آخر" بالقدوم والإستقرار؟
- هل يثق المغتربون اللبنانيون بالإستثمار في هكذا مشروع بدل الإعتماد على مصادر أخرى؟
- هل تعيد المصارف والنافذون الأموال التي هربوها الى الخارج إذا وجدت فرص الربح مجدداً في الداخل؟
- والأهم هل هناك من لديه الرُؤية والشجاعة لريادة هذا المشروع بدل ترك البلد على قارعة طرق التجارة ينتظر المساعدات؟
لعلنا نريد فعلاً أن نصدّق أن لبنان لا يزال قادراً على المبادرة وإلتقاط الفرص والأهم قادراً على بناء نموذج إقتصادي حديث ومنتج لا الإستمرار في إقتصادات الرَيع والتبييض والشحادة.
نبض