الأزمة النظامية في لبنان: تشخيص علمي من صندوق النقد أم شهادة براءة للمصارف؟
د.أيمن عمر/ أكاديمي وباحث اقتصادي
أثار إدراج لبنان ضمن قاعدة بيانات الأزمات المصرفية النظامية لصندوق النقد الدولي نقاشاً واسعاً حول دلالات هذا التصنيف، ولا سيما بعد أن اعتبرت جمعية مصارف لبنان أنه يؤكد أن جذور الأزمة تقع خارج القطاع المصرفي. وسرعان ما تحوّل مصطلح "الأزمة النظامية" إلى مادة سجالية تُستخدم لتفسير الانهيار وتحديد المسؤوليات. لكن هل يعني توصيف الأزمة بأنها "نظامية" أن المصارف غير مسؤولة عما جرى؟ وهل يشكل هذا التصنيف تشخيصاً علمياً لطبيعة الأزمة أم شهادة براءة لأحد أطرافها؟

ماذا يعني أزمة نظامية؟
في الأدبيات الاقتصادية، لا تعني الأزمة النظامية مجرد تعثّر عدد من المصارف أو تعرضها لخسائر كبيرة، إذ يميّز الباحثون بين الأزمة التي تصيب مؤسسة أو قطاعاً محدداً وبين الأزمة التي تضرب النظام بأكمله. فـ"المخاطر النظامية" هي احتمال انتقال الصدمات والأزمات من جزء من النظام المالي إلى أجزائه الأخرى بسبب الترابط الشديد بين المؤسسات والأسواق والسلطات النقدية والمالية، وعندما تتحقق هذه المخاطر وتعطّل وظائف النظام المالي الجوهرية: حفظ الودائع، ومنح الائتمان، وتسهيل المدفوعات، وتوجيه المدخرات نحو الاستثمار، تتحوّل إلى ما يُسمى "أزمة نظامية".
في أيار الفائت، أصدر صندوق النقد الدولي ورقة عمل من إعداد الخبيرين Luc Laeven وFabian Valencia بعنوان "قاعدة بيانات الأزمات المصرفية النظامية: 1970-2025"، وقد ورد فيها لبنان ضمن لائحة هذه الأزمات استناداً إلى معيارين: وجود ضائقة مالية حادة في القطاع المصرفي، وتدخلات استثنائية من السلطات كفرض قيود على السحوبات وإقفال المصارف. وصحيح أن هذه الورقة ليست بياناً رسمياً ملزماً بل بحث أكاديمي يعبّر عن رأي مؤلفيه، غير أنها تحمل ثقلاً مرجعياً كبيراً في تقييم حدّة الأزمات المصرفية وآثارها.
لهذا السبب لا يُقاس حجم الأزمة النظامية بعدد المصارف المتعثرة وحسب، بل أيضاً بحجم الانكماش الاقتصادي وخسائر الناتج المحلي وانهيار الثقة بالمؤسسات المالية. وفي حالات كثيرة، تكون الأزمة النظامية نتيجة تراكم اختلالات طويلة الأمد في السياسات الاقتصادية والرقابية، بحيث يصبح الانهيار انعكاساً لفشل منظومة كاملة لا لفشل مؤسسة منفردة.
تأكيد المؤكّد
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يبدو هذا التصنيف مهماً في السياق اللبناني؟ لأنه يحسم جدلاً استمر سنوات: أهي أزمة سيولة مؤقتة أم انهيار هيكلي شامل؟ الورقة تقول بوضوح إنها أزمة نظامية. وهذا يعني أن الحلول لا يمكن أن تأتي من انتظار تدفقات مالية خارجية أو من إجراءات تجميلية، بل من إعادة هيكلة شاملة للقطاع المالي والمصرفي، وإصلاح المالية العامة، وإرساء قواعد جديدة للحوكمة والمحاسبة، وبناء اقتصاد إنتاجي متين.
وما يُعزز هذا التوصيف أن الأزمة اللبنانية لم تنتظر هذه الورقة لتُوصف بالنظامية. فالبنك الدولي سبق أن تحدث عن "الفشل النظامي للقطاع المصرفي اللبناني وانهيار العملة"، وحذّر منذ عام 2021 من وجود "إخفاقات وطنية نظامية" ساهمت في تعميق الانهيار، وذهب إلى أن ما شهده لبنان يضعه بين أشد عشر أزمات اقتصادية، وربما بين الثلاث الأشد عالمياً منذ خمسينيات القرن التاسع عشر.
من يتحمّل مسؤولية الأزمة؟
من هذا المنطلق، فإن وصف الأزمة اللبنانية بأنها "نظامية" لا يعني أن الجميع أبرياء، بل يعني العكس تماماً. فالمفهوم الأكاديمي يفترض وجود شبكة مترابطة من المسؤوليات والقرارات التي أدت إلى الانهيار، وهي نتاج تحالف الفساد السياسي والمالي المتمثّل بالدولة العميقة. وعندما ينهار النظام ككل، يصبح البحث منصباً على كيفية توزيع المسؤوليات والخسائر بين الأطراف المختلفة التي ساهمت في بنائه وإدارته، لا على إعفاء أي طرف منها.
وهذا يعني أن توزيع الخسائر يجب أن يكون عادلاً ومتوازناً، فلا يقع العبء كاملاً على المودعين الذين دفعوا الثمن الأكبر حتى الآن، بل يشمل الدولة ومصرف لبنان والمصارف وأصحاب الرساميل الذين استفادوا من النموذج السابق. أما محاولة بعض الأطراف استخدام توصيف "الأزمة النظامية" كوسيلة للتهرب من هذا الاستحقاق، فهي قراءة انتقائية تخدم مصالح خاصة وتحاول الحفاظ على امتيازات لم يعد ممكناً الدفاع عنها.

الكل مسؤول ولكن المسؤولية الأكبر على المصارف
هنا يأتي البعد الأخطر، إذ إن جمعية مصارف لبنان لم تتردد في توظيف هذه الورقة لصالحها. فقد بدأ التسويق الإعلامي المنظم عبر كبرى المحطات والصحف والمواقع للتصنيف "النظامي" كحجة للقول إن الأزمة هي مسؤولية الدولة وحدها، وإن المصارف ليست سوى ضحية من ضحايا الانهيار العام. لكن هذه القراءة تتغافل عن حقيقة أساسية: المصارف اللبنانية لم تكن ناقلاً سلبياً للأزمة، بل كانت فاعلاً رئيسياً فيها. فهي التي موّلت عجز الدولة لعقود مقابل أرباح استثنائية، وركّزت ما يزيد على 70% من أصولها في ديون الدولة ومصرف لبنان متجاهلةً قواعد التنويع وإدارة المخاطر، واستفادت من الهندسات المالية ومن أسعار الفوائد المرتفعة التي استنزفت الاقتصاد الحقيقي، فضلاً عن أنها لم تمارس الدور الرقابي المفترض لحماية أموال المودعين. رولذلك، فإن وصف الأزمة بأنها "نظامية" لا يعني تبرئة المصارف، بل يعني أن فشل المنظومة كان واسعاً إلى درجة طالت معها الدولةَ والمصرفَ المركزي والقطاعَ المصرفي معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً يصبح استخدام هذا الوصف لتبرئة أي طرف قراءةً معاكسة لما تقوله التقارير الدولية، التي تنطلق أساساً من أن الانهيار كان نتيجة تراكم اختلالات وسياسات شاركت فيها أطراف متعددة على مدى سنوات طويلة.
في المحصلة، ما تقدمه هذه الورقة ليس مجرد أرقام في جدول، بل تشخيص دولي دقيق لواقع يعيشه اللبنانيون منذ سنوات. وإذا كان البنك الدولي قد صنّف هذا الانهيار بين الأسوأ عالمياً منذ أكثر من مئة وسبعين عاماً، وإذا كان صندوق النقد قد أدرجه ضمن أشد الأزمات المصرفية النظامية المسجلة تاريخياً، فالرسالة واحدة: ما جرى في لبنان ليس أزمة عابرة تتجاوزها مماطلة أو إنكار. الخلاف الحقيقي اليوم ليس حول توصيف الأزمة، بل حول من سيدفع كلفتها. وتوصيفها بالنظامية لا يمنح أحداً صك براءة، بل يوسّع دائرة المساءلة لتشمل كل من ساهم في بناء النموذج الذي انهار.
نبض