قمح وصويا وذرة: ماذا يريد ترامب من أموال إيران؟

اقتصاد وأعمال 26-06-2026 | 12:30

قمح وصويا وذرة: ماذا يريد ترامب من أموال إيران؟

إيران بلد كبير من حيث الطلب الغذائي، خصوصاً على الحبوب والأعلاف. بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة

قمح وصويا وذرة: ماذا يريد ترامب من أموال إيران؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب ( أ ف ب)
Smaller Bigger

ليس تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استخدام ما يفرج عنه من أموال إيران لشراء قمح وفول صويا وذرة الأميركية لصالح طهران مسألة عابرة، إذ يمكن قراءتها بصفتها صوغاً لعملية حسابية حساسة: كيف يمكن إقناع الرأي العام الأميركي بتخفيف محدود للعقوبات على إيران من دون أن يبدوز ذلك تنازلاً لطهران؟ الجواب: تحويل المال الإيراني نفسه إلى مكسب رمزي للمواطن الأميركي. 

من هنا، ما يقوله ترامب في هذا الصدد، وما تنفيه إيران جملة وتفصيلاً، يقوم على معادلة دعائية ضرورية: لن نعطي إيران مالاً حراً، بل سنأخذ من أموالها ونشتري لها طعاماً أميركياً. وهكذا، ينزع ترامب عن مذكرة التفاهم صبغة تمويل إيران. 

كلام سياسي
داخلياً، يخاطب ترامب قاعدة انتخابية قلقة: المزارعين والولايات الزراعية التي تضررت سابقاً من الحروب التجارية، خصوصاً مع الصين. وحين يقول "إن أموالاً إيرانية ستعود إلى مزارعينا"، فهو تحديداً يسوّق "مذكرة التفاهم" كصفقة رابحة لأميركا، لا كتنازل لخصم. خارجياً، المقصود فرض إطار سياسي على إيران: الأموال المفرج عنها مشروطة ومراقبة ومحصورة بالسلع الإنسانية. وهنا جوهر الخلاف مع طهران. فقبول إيران بشراء الغذاء من أموالها أمر، وقبولها بأن تعلن واشنطن مسبقاً أنها ستقرر من أين تشتري وماذا تشتري أمر مختلف. لذلك، جاء النفي الإيراني دفاعاً عن السيادة أكثر منه نفياً لاحتمال الشراء التجاري. فإيران قد تشتري من الولايات المتحدة إذا كان السعر والجودة ملائمين، لكنها لا تريد أن تظهر خاضعة لإملاءات أميركية.

 

قانونياً، الفكرة ممكنة جزئياً: العقوبات الأميركية على إيران تتضمن استثناءات واسعة للغذاء والدواء والسلع الزراعية، كما أن القنوات الإنسانية (القناة القطرية أو القناة السويسرية) صُممت لمنع تحويل الأموال إلى الحكومة الإيرانية أو استخدامها في أنشطة محظورة. لكن تحويل ذلك إلى التزام حصري بشراء سلع أميركية يحتاج إلى نص واضح في "مذكرة التفاهم"، وآلية مصرفية تضمن الدفع للمورّدين من دون تمكين مؤسسات إيرانية معاقبة. وهكذا، إن لم يكن الالتزام مكتوباً، يبقى كلام ترامب أقرب إلى تفسير سياسي أميركي منه إلى بند قانوني يُلزم إيران.

ماذا عن الجانب الاقتصادي؟
إيران بلد كبير من حيث الطلب الغذائي، خصوصاً على الحبوب والأعلاف. بحسب تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، بلغت واردات إيران من الحبوب في موسم 2025 - 2026 نحو 22 مليون طن، أي أعلى بنحو 30% من المتوسط، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي بسبب الجفاف. كما تُقدَّر حاجتها في موسم 2026 - 2027 لنحو 3 ملايين طن من القمح و11 مليون طن من الذرة، مدفوعةً أساساً بطلب قطاعي المواشي والدواجن على الأعلاف.

 

قمح (أ ف ب)
قمح (أ ف ب)

 

 

 

 

هذه الأرقام تفسر فعلياً لماذا اختار ترامب تحديداً القمح والذرة وفول الصويا. فهذه ليست سلعاً عشوائية، بل تمثل قلب القوة التصديرية الزراعية الأميركية. في 2025، صدّرت الولايات المتحدة ذرة بقيمة 18.46 مليار دولار وبحجم 81.92 مليون طن، وفول صويا بقيمة 16.46 مليار دولار وبحجم 38.1 مليون طن، وقمحاً بقيمة 6.32 مليارات دولار وبحجم 24.66 مليون طن. لذلك، حتى طلب إيراني بمليار أو مليارَي دولار قد لا يغيّر ميزان التجارة الزراعية الأميركية جذرياً، لكنه يمنح البيت الأبيض مادة سياسية جاهزة: "فتحنا سوقاً جديدة للمزارعين".

 

بالنسبة إلى إيران، المسألة أعقد. شراء هذه السلع من أموال مجمدة يخفف الضغط على فاتورة الاستيراد ويؤمّن سلعاً أساسية من دون استنزاف احتياطاتها الحرة. لكن الكلفة السياسية عالية: فطهران لا تريد أن تظهر كمن استبدلت حقها في أموالها ببرنامج مشتريات تحدد واشنطن تفاصيله. كذلك، إلزامها بمصدر أميركي واحد يحرمها الاستفادة من مرونة السعر والمقارنة مع مورّدين كبار مثل روسيا والبرازيل وكازاخستان. وتشير تقديرات السوق إلى أن روسيا أصبحت مورداً رئيسياً للقمح والشعير والذرة لإيران، فيما وصلت شحنات الذرة البرازيلية إلى السوق الإيرانية إلى مستويات قياسية في موسم 2026/2025.

 

بالنسبة إلى الأسواق العالمية، التأثير مرهون بالحجم. فإذا كانت المشتريات محدودة، فلن تتجاوز كونها صفقة تجارية ذات دلالة سياسية. أما إذا وصلت إلى عدة ملايين من الأطنان، فقد تؤثر في أسعار الشحن، وفي هوامش المنافسة بين الموردين، خصوصاً في الذرة وفول الصويا. لكنها لن تكون سابقة مطلقة: في 2018، اشترت إيران فول صويا أميركياً بقيمة قياسية بلغت نحو 318 مليون دولار، في لحظة كانت فيها الحرب التجارية مع الصين تضغط على صادرات المزارعين الأميركيين. كما أن اتفاق "المرحلة الأولى" مع الصين في 2020 سبق أن استخدم المشتريات الزراعية أداة تفاوض سياسية، حين تعهدت بكين بشراء عشرات المليارات من المنتجات الزراعية الأميركية، لكنها لم تحقق كامل الأهداف المعلنة.

العلامات الدالة