الأصول الإيرانية المجمدة... انفراجة مالية مشروطة قد تمنح الاقتصاد المتعثر متنفساً مؤقتاً
الإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة قد يخفف الضغط عن الريال والمالية العامة، لكنه يبقى رهناً بالقيود الأميركية ولا يعالج الاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
بدأت تتضح أولى ملامح المكاسب الاقتصادية المحتملة للتفاهم الأميركي-الإيراني، بعدما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان الإفراج عن ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في قطر، في خطوة قد تشكل بداية لتدفق أموال تحتاجها طهران بشدة بعد سنوات من العقوبات، وتكاليف الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن هذه الأموال لن تكون متاحة بالكامل أمام الحكومة الإيرانية، إذ أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن أي مبالغ تفرج عنها وزارة الخزانة الأميركية ستقتصر على شراء المواد الغذائية والإمدادات الطبية الأميركية، ما يعني أن استخدام الأموال سيظل خاضعاً لرقابة واشنطن.
وتنص مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي على مهلة تمتد 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي، تتضمن رفع العقوبات والإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة.
أصول قد تتجاوز 80 مليار دولار
تمتلك إيران ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلا أن جزءاً كبيراً من أموالها لا يزال خارج متناولها. وتشير تقديرات إلى أن لدى طهران نحو 37 مليار دولار من الأصول المجمدة في دول مختلفة، إضافة إلى ما بين 20 و50 مليار دولار محتجزة في الصين، ما يرفع إجمالي الأموال المقيدة إلى ما يقارب 80 مليار دولار في أعلى التقديرات.
ويرى المحلل المستقل للاقتصاد السياسي والمخاطر علي رضا رمضاني أن الإفراج عن هذه الأموال سيمنح الاقتصاد الإيراني دفعة قوية على المدى القصير، إذ سيساعد في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي وتهدئة سوق الصرف، بعدما فقد الريال الإيراني نحو 98% من قيمته أمام الدولار خلال العقد الماضي، رغم تعافيه بنحو 8% منذ 11 حزيران/ يونيو.
ويقول رمضاني إن الحكومة الإيرانية اضطرت خلال الفترة الماضية إلى إنفاق مليارات الدولارات على العمليات العسكرية، ودعم السلع الأساسية، واحتواء التضخم، وتمويل برامج الدعم النقدي، ما استنزف احتياطياتها من العملات الأجنبية.
الإفراج سيكون تدريجياً
وإن البنوك الأجنبية التي تحتفظ بالأصول الإيرانية لن تفرج عنها دفعة واحدة، بل على مراحل، مع تخصيص الجزء الأول منها لتمويل واردات السلع الإنسانية، مثل الغذاء والدواء والمعدات الطبية.
ويرى رمضاني أن هذه الآلية ستخفف الضغط عن احتياطيات إيران الحالية من العملات الأجنبية، وتتيح استخدامها في مجالات أخرى أكثر إلحاحاً.
من جانبه، يقول مصطفى باكزاد المحلل الجيوسياسي المستقل، إن الجدل داخل إيران لا يدور حول قيمة الأموال فحسب، بل حول مدى سيطرة طهران عليها، إذ يتساءل منتقدون عما إذا كانت الحكومة ستكون صاحبة القرار في إنفاقها، أم أن كل عملية صرف ستظل بحاجة إلى موافقة أميركية.
ويضيف أن هذا الواقع وضع التيار المتشدد أمام معادلة صعبة، إذ إن رفض أي مرونة في المفاوضات يعني التخلي عن أحد المصادر القليلة المتبقية للحصول على سيولة خارجية كبيرة، فيما بات النقاش داخل طهران يتركز على كيفية الاستفادة من الانفتاح المالي من دون الظهور بمظهر المتراجع سياسياً.
حرب واستنزاف اقتصادي
تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً غير مسبوقة، إذ قدرت وكالة "تسنيم" خسائر الحرب الأخيرة بنحو 270 مليار دولار، فيما تتوقع وكالة "ستاندرد آند بورز غلوبال" انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.2% خلال العام الحالي، مع اتساع عجز الموازنة إلى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع نسبة الدين العام إلى 36%.
وفي قطاع الطاقة، تراجع إنتاج النفط الإيراني إلى أدنى مستوى له في خمس سنوات، مسجلاً 2.3 مليون برميل يومياً في أيار/ مايو، مقارنة مع 3.2 ملايين برميل يومياً في شباط، رغم أن متوسط سعر بيع الخام الإيراني ارتفع إلى نحو 115 دولاراً للبرميل، ما خفف جزئياً من أثر انخفاض الإنتاج.
ويشير رمضاني إلى أن الحصار الأميركي أدى إلى تراجع شبه كامل في صادرات الطاقة، رغم استمرار تصدير كميات محدودة عبر مضيق هرمز خلال الأيام الأولى من الحرب، وهو ما حرم الاقتصاد الإيراني من أهم مصادر العملات الأجنبية.
انفراجة مؤقتة
وبالتوازي مع ذلك، ارتفع معدل التضخم السنوي في إيران إلى 77% في الشهر المنتهي في 21 أيار، وفق وسائل إعلام فارسية استناداً إلى بيانات رسمية.
ويرى رمضاني أن أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن الأصول المجمدة سيؤدي سريعاً إلى تخفيف الضغوط على السيولة والواردات والقطاع المصرفي، لكنه يحذر من أن هذا الأثر لن يكون دائماً ما لم يترافق مع إصلاحات مالية ونقدية تعالج الاختلالات الهيكلية.
ويخلص إلى أن الأموال المجمدة قادرة على منح الاقتصاد الإيراني متنفساً بعد الحرب، لكنها ليست كافية وحدها لإخراجه من أزمته الممتدة.
نبض