إغلاق هرمز حبس 10% من ناقلات النفط في الخليج... فارتفع الطلب على السفن!
بينما كانت الأسواق تترقب أسعار النفط، كانت أحواض بناء السفن حول العالم تستقبل موجة طلبات قياسية، بعدما أدى تعطل عشرات الناقلات في الخليج إلى إعادة رسم حسابات تجارة الطاقة العالمية.
لم يقتصر أثر الحرب الأميركية- الإيرانية على تقلبات أسعار النفط أو إغلاق مضيق هرمز، بل امتد إلى قطاع أقل ظهوراً وأكثر أهمية في التجارة العالمية، وهو صناعة ناقلات النفط العملاقة.
فخلال ذروة التوترات في الشرق الاوسط، واجهت حركة الملاحة البحرية اضطرابات واسعة، بحيث بقيت عشرات ناقلات النفط العملاقة داخل المنطقة أو ترددت في عبور مضيق هرمز بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين. ووفق تقديرات متخصصة في قطاع الشحن البحري، علقت قرابة 10% من أسطول ناقلات النفط العملاقة غير الخاضع للعقوبات في الخليج، أي نحو 70 ناقلة، خلال الأزمة.
اضطرابات الشحن رفعت الطلب على السفن الجديدة
رغم أن هذا التعطل كان موقتاً، فإن تداعياته تجاوزت حدود هرمز. فمع خروج جزء من السعة العالمية المتاحة للنقل من السوق، ارتفعت أجور الشحن البحري وقفزت تكاليف التأمين، فيما بدأت شركات النفط والتجارة البحرية بالبحث عن حلول طويلة الأجل لتجنب أي نقص محتمل في القدرة على نقل الخام مستقبلاً.
وانعكس هذا التحول مباشرة على أحواض بناء السفن. فوفقاً لبيانات شركة كلاركسون للأبحاث (Clarksons Research)، بلغ عدد ناقلات النفط العملاقة من فئة VLCC قيد الطلب عالمياً 262 ناقلة منذ بداية عام 2026، متجاوزاً الرقم القياسي التاريخي المسجل خلال طفرة الشحن في عام 2008، عندما بلغ 254 ناقلة.
ناقلات VLCC وأهميتها في سوق الطاقة العالمية
تُعد ناقلات النفط الخام العملاقة من فئة VLCC (Very Large Crude Carrier)، من أكبر السفن التجارية في العالم، إذ تستطيع الناقلة الواحدة نقل ما يصل إلى مليوني برميل من النفط الخام. ولذلك، فإن أي اضطراب يصيب هذا الأسطول ينعكس سريعاً على سلاسل إمداد الطاقة العالمية وعلى تكلفة نقل النفط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
عوامل أخرى وراء طفرة الطلب
ولا يرتبط الاندفاع نحو بناء السفن بالأزمة الإيرانية وحدها. فشركات الشحن تواجه أيضاً أسطولاً عالمياً يتقدم في العمر، بينما أدت العقوبات الغربية المفروضة على جزء من أساطيل نقل النفط إلى تقليص عدد السفن المتاحة للتجارة الدولية.
ومع تزايد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط، أصبحت الحاجة إلى توسيع الأسطول العالمي أكثر إلحاحاً، ما أدى إلى امتلاء دفاتر الطلبات في أحواض البناء الآسيوية، وخصوصاً في الصين وكوريا الجنوبية. وتمتد مواعيد تسليم السفن الجديدة حالياً إلى ما بين عامي 2028 و2030، في ظل سعي الشركات إلى حجز مواقعها مبكراً قبل ارتفاع التكاليف أو استنفاد الطاقة الإنتاجية المتاحة.

ارتفاع قياسي في أسعار السفن المستعملة
بالتوازي مع ازدهار الطلب على السفن الجديدة، شهدت سوق السفن المستعملة ارتفاعات حادة. فقد ارتفع سعر ناقلة نفط عملاقة يبلغ عمرها نحو عشر سنوات إلى 115 مليون دولار، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وفق بيانات شركة كلاركسون للأبحاث.
كما تجاوزت القيمة السوقية لخمس عشرة من أكبر أسهم شركات ناقلات النفط المدرجة في البورصات العالمية 60 مليار دولار في بعض الفترات منذ اندلاع الحرب، بحسب بيانات جمعتها وكالة "بلومبيرغ". وكانت هذه القيمة لا تتجاوز نصف هذا الرقم تقريباً في بداية العام، ما يعكس حجم المكاسب الكبيرة التي حققها القطاع.
"غولدمان ساكس": تأثير الأزمة قد يستمر بعد إعادة فتح المضيق
وأشار محللو بنك "غولدمان ساكس" إلى أن الحذر المتزايد لدى ملاك السفن بعد أزمة مضيق هرمز قد يحد من تدفقات النفط حتى بعد إعادة فتح المضيق بشكل كامل، وهو ما يعكس أثراً طويل الأمد للأزمة على قرارات الشحن والتجارة البحرية العالمية.

أحواض بناء السفن الصينية من أبرز المستفيدين
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" (South China Morning Post)، استفادت أحواض بناء السفن الصينية بصورة مباشرة من الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، إذ أدى تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز وارتفاع الطلب على ناقلات النفط العملاقة إلى زيادة الطلبيات الجديدة الموجهة إلى شركات بناء السفن الصينية.
وفي هذا السياق، قامت شركة "أدفانتج تانكرز" السويسرية، التي اعتادت الاعتماد على أحواض بناء السفن الكورية الجنوبية، بتقديم طلبية إلى الصين لبناء ناقلتين عملاقتين من فئة VLCC"" تبلغ حمولة كل منهما 307 آلاف طن. ومن المقرر تسليم السفينتين في الربع الثاني من عام 2028 والربع الثالث من عام 2029 على التوالي، فيما لم تُكشف قيمة الصفقة.
الحرب تتحول إلى محرك غير متوقع لصناعة السفن
وهكذا تحولت الحرب الاميركية- الإيرانية من أزمة جيوسياسية تهدد إمدادات النفط العالمية إلى عامل دعم غير متوقع لصناعة بناء السفن، التي تشهد اليوم أكبر موجة طلب على ناقلات النفط العملاقة منذ قرابة عقدين، مدفوعة بمخاوف أمنية متزايدة، ونقص محتمل في السعة المتاحة للنقل، ورغبة الشركات في تعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات المستقبلية في أسواق الطاقة العالمية.
نبض