الاحتراق الوظيفي: التكلفة الخفية لسباق الذكاء الاصطناعي
بين وعود الإنتاجية ومخاوف الاستنزاف، يواجه العاملون ضغوطاً متزايدة لمواكبة ثورة تكنولوجية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة
قبل الغرق في الأرقام، يجدر التوقف عند مفارقة لافتة. يعيش العالم اليوم إحدى أكثر موجات الابتكار التكنولوجي تسارعاً منذ ظهور الإنترنت، فيما تتنافس الحكومات والشركات على بناء مراكز بيانات عملاقة وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة وقدرة. لكن خلف هذه الصورة المبهرة، حيث تتدفق الاستثمارات بمئات المليارات وتُعلَن الإنجازات التكنولوجية تباعاً، تتشكل أزمة أقل ظهوراً وأكثر هدوءاً: أزمة البشر الذين يقفون خلف هذه الثورة.
في وقت يُفترَض فيه أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تخفيف أعباء العمل ورفع الإنتاجية، بدأ كُثُر من الموظفين يشعرون بأنهم يعملون أكثر، ويتعلمون أكثر، ويعيشون تحت ضغط أكبر من أي وقت مضى. من هنا تحديداً تبدأ قصة ما يمكن تسميته "التكلفة الخفية" لثورة الذكاء الاصطناعي. في أواخر عام 2022، بدا إطلاق "تشات جي بي تي" وكأنه بداية عصر جديد. وخلال أشهر قليلة فقط، انخرطت شركات التكنولوجيا الكبرى في سباق محموم لتطوير نماذج أكثر تقدماً، فيما أعلنت الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وبدأ المستثمرون يضخون مليارات الدولارات في القطاع.
لكن بينما كانت الأنظار تتجه إلى الخوارزميات ومراكز البيانات والرقائق الإلكترونية، كان أمر آخر يحدث داخل الشركات والمكاتب وغرف التطوير: ضغوط متزايدة على العاملين الذين يُطلَب منهم التكيف سريعاً مع عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. المفارقة أن التكنولوجيا التي وعدت بتوفير الوقت بدأت، بالنسبة إلى كثيرين، باستهلاك مزيد منه. لم يعد الاحتراق الوظيفي مجرد قضية صحية أو نفسية، بل يصبح في صورة متزايدة قضية اقتصادية أيضاً.
وفق تقرير عالمي أصدرته مؤسسة "غالوب" للاستطلاعات في عام 2025، يتسبب ضعف اندماج الموظفين في أعمالهم بخسائر إنتاجية تُقدَّر بنحو 10 تريليونات دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومع أن هذه الخسائر لا تعود كلها إلى الاحتراق الوظيفي، يُعَدّ الإرهاق المهني المزمن أحد أبرز العوامل المرتبطة بها. كذلك تُظهِر دراسات منشورة في "الدورية الأميركية للطب الوقائي" أن الاحتراق الوظيفي يفرض أعباء مالية كبيرة على المؤسسات من خلال زيادة التغيب عن العمل، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع معدلات الاستقالة، وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية.
وتشير تقديرات شائعة في أدبيات الموارد البشرية إلى أن تكلفة استبدال الموظف الذي يغادر بسبب الإرهاق أو الاستنزاف قد تعادل ما بين نصف راتبه السنوي وضعف راتبه السنوي أو أكثر، تبعاً لطبيعة الوظيفة ومستوى الخبرة المطلوبة. وفي القطاعات المعتمدة على المعرفة، تصبح هذه التكلفة أعلى بكثير بسبب فقدان الخبرات المتراكمة وصعوبة تعويضها.
هذه الأرقام تبدو أكثر أهمية إذا وُضِعت إلى جانب التوقعات الاقتصادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. يتوقع مصرف "غولدمان ساكس" أن يضيف الذكاء الاصطناعي التوليدي ما يصل إلى سبعة تريليونات دولار إلى الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل من الزمن، فيما تقدر مؤسسة "ماكينزي" الاستشارية القيمة الاقتصادية السنوية لهذه التكنولوجيا بما بين 2.6 و4.4 تريليونات دولار. لكن إذا كانت الشركات تخسر بالفعل جزءاً من إنتاجيتها بسبب الإرهاق المهني، فالسؤال الذي يصبح أكثر إلحاحاً هو: هل يمكن أن تلتهم الضغوط البشرية جزءاً من العوائد الاقتصادية المتوقعة من الذكاء الاصطناعي؟

خلال السنوات الأخيرة، زادت شركات مثل "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" و"غوغل" و"ميتا" و"أنثروبيك" إنفاقها على الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة. وتشير تقديرات مالية دولية إلى أن الإنفاق التراكمي على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد يتجاوز تريليون دولار خلال السنوات المقبلة.
لكن وراء هذه المليارات يقف أشخاص من لحم ودم: باحثون ومبرمجون ومهندسو بيانات ومديرو منتجات ومصممو نماذج وخبراء أمن سيبراني؛ جميعهم يعملون في بيئة تتغير في صورة شبه يومية، حيث يمكن لأداة جديدة أو نموذج جديد أن يغيّر قواعد اللعبة خلال أسابيع قليلة فقط. في السابق، كان الموظف يطوّر مهارة جديدة كل بضع سنوات. أما اليوم، فيجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى التعلم المستمر لمجرد الحفاظ على موقعهم المهني. تشير استطلاعات متعددة إلى انتشار مستويات مرتفعة من الإرهاق والاحتراق الوظيفي بين العاملين في قطاع التكنولوجيا مقارنة بعدد من القطاعات الأخرى، في ظل تسارع وتيرة التغيير واشتداد المنافسة على المهارات المتخصصة.
لا يتحدث الموظفون كثيراً عن هذا الأمر، لكنه أصبح جزءاً من حياتهم اليومية. بعد انتهاء الدوام، يبدأ دوام آخر غير رسمي: متابعة التحديثات، وحضور دورات تدريبية، وتجربة أدوات جديدة، وقراءة شروح، ومقارنة نماذج مختلفة. ولهذا بدأ بعض الباحثين والخبراء يتحدثون مجازاً عما يشبه "ضريبة خفية" للذكاء الاصطناعي. هي ليست ضريبة مالية، بل وقت وجهد إضافيان يدفعهما العاملون لكي يظلوا قادرين على المنافسة في سوق عمل تتغير بسرعة مذهلة. أظهرت استطلاعات حديثة نشرتها "مايكروسوفت" و"لينكد إن" أن الموظفين يشعرون بضغط متزايد لاكتساب مهارات الذكاء الاصطناعي، فيما بات أصحاب العمل يولون هذه المهارات أهمية متزايدة عند التوظيف والترقي. بالنسبة إلى كثيرين، لم يعد يوم العمل ينتهي فعلياً عند مغادرة المكتب.
منطقياً، يُفترَض أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تخفيف الأعباء. لكن الواقع أكثر تعقيداً. حين ينجح الموظف في إنجاز مهمة خلال ساعة بدلاً من ثلاث ساعات، لا يعني ذلك دائماً أنه سيحصل على وقت إضافي للراحة. في كثير من الحالات، تتحول الإنتاجية الأعلى إلى توقعات أعلى. وما إن يصبح إنجاز 10 مهام يومياً ممكناً حتى يصبح مطلوباً. هنا تحديداً تكمن إحدى المفارقات الكبرى للذكاء الاصطناعي: الأداة المصممة لتوفير الوقت قد تتحول إلى وسيلة لرفع سقف الأداء المطلوب. تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يرتبط بارتفاع مستويات الضغط النفسي عندما يقترن بزيادة المراقبة أو ارتفاع توقعات الأداء أو الخوف من فقدان الميزة التنافسية في مكان العمل.
إلى جانب ضغط التعلم المستمر، ثمة عامل آخر لا يقل أهمية: الخوف على الوظيفة. كل إعلان عن نموذج جديد أكثر قدرة يثير السؤال نفسه: ماذا سيحدث لوظيفتي؟ تشير أغلبية الدراسات الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي أساساً إلى إعادة تشكيل الوظائف وتغيير مهامها أكثر بما سيؤدي إلى إلغائها بالكامل، وإن كانت بعض المهن أكثر عرضة إلى التأثر من غيرها. لكن ذلك لا يبدد الشعور بعدم اليقين. لا يخشى العديد من الموظفين فقدان وظائفهم اليوم، بل فقدان قيمتهم المهنية غداً.
تشير بحوث حديثة إلى أن القلق المرتبط بالاستبدال التكنولوجي يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والإرهاق وانخفاض الرضا الوظيفي. لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي هو السبب الوحيد أو المباشر للاحتراق الوظيفي. هذه الظاهرة سبقت ظهور النماذج التوليدية بسنوات طويلة. إلا أن تسارع التحول الرقمي واشتداد المنافسة على المهارات الجديدة أضافا طبقة جديدة من الضغوط إلى بيئات العمل، ما جعل القضية أكثر إلحاحاً في السنوات الأخيرة.
عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، نتخيل عادة باحثين مشهورين ومديرين تنفيذيين ومهندسين يعملون في مختبرات متطورة. لكن هناك فئة أخرى أقل ظهوراً تقوم بجزء أساسي من العمل. آلاف الأشخاص يصنفون البيانات، ويراجعون المخرجات، ويختبرون النماذج، ويتأكدون من خلوها من المحتوى الضار أو الأخطاء الفادحة. لقد كشفت تقارير دولية خلال السنوات الأخيرة عن الضغوط النفسية التي يتعرض إليها بعض العاملين في مراجعة المحتوى الرقمي، ولاسيما أولئك الذين يتعاملون يومياً مع مواد عنيفة أو صادمة من أجل تدريب الأنظمة وتحسين أدائها. هؤلاء لا يظهرون في المؤتمرات الصحافية، لكنهم جزء أساسي من البنية البشرية التي تقوم عليها صناعة الذكاء الاصطناعي.

في الوقت نفسه، تخوض الشركات معركة أخرى: الاحتفاظ بالمواهب. أصبح خبراء الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات ومهندسو التعلم الآلي من أكثر العاملين طلباً في العالم. تتنافس الشركات والدول على استقطابهم من خلال الرواتب المرتفعة والحوافز السخية وفرص البحث والتطوير. وبحسب تقديرات مؤسسات دولية عدة، لا يزال نقص المهارات الرقمية والمتقدمة من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات حول العالم، على الرغم من الزيادة المتواصلة في أعداد البرامج التعليمية والتدريبية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في جذب هؤلاء، بل في الحفاظ عليهم. كل استقالة تعني فقدان خبرة متراكمة، وتأخير مشاريع، وتكاليف توظيف وتدريب إضافية. وفي قطاع يعاني أصلاً نقصاً في الكفاءات، يمكن أن يتحول الاحتراق الوظيفي إلى مشكلة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي تحدٍّ تكنولوجي.
في نهاية المطاف، لا يتعلق مستقبل الذكاء الاصطناعي بالخوارزميات وحدها. لن يُقَاس النجاح الاقتصادي لهذه التكنولوجيا فقط بعدد النماذج المطوّرة أو بحجم الاستثمارات أو بالعوائد المتوقعة، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على حماية العاملين من الضغوط التي يولدها هذا التحول. الخوادم يمكن تبريدها بالمياه والكهرباء، ويمكن محل الرقائق إحلال أخرى أكثر قوة، ويمكن توسيع مراكز البيانات كلما دعت الحاجة. أما البشر، فأمر مختلف. إذا كانت الشركات والحكومات مستعدة لإنفاق مئات المليارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الذي سيحدد نجاح هذه الثورة أو فشلها قد يكون أبسط بكثير: هل تستثمر بالقدر نفسه في الأشخاص الذين يجعلونها ممكنة؟ في عصر الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون الخوارزميات هي الحلقة الأضعف في المنظومة، بل الإنسان الذي يُطلب منه أن يواكبها بلا توقف.
نبض