العراق.. محافظ البنك المركزي الجديد أمام تحديات استقرار الدينار وضبط السوق المالية
بين الخبرة الرقابية والضغوط الاقتصادية… قراءة في مهام محافظ البنك المركزي العراقي الجديد
في لحظة مالية حساسة يمر بها الاقتصاد العراقي، يتسلم محافظ البنك المركزي العراقي الجديد نزار ناصر حسين مهاماً تتجاوز الطابع الإداري التقليدي، لتضعه في قلب معادلة معقدة تجمع بين استقرار سعر الصرف، إدارة الاحتياطيات الأجنبية، ومواجهة تحديات التضخم والطلب على الدولار في السوق المحلية، إلى جانب تعزيز ثقة النظام المصرفي داخلياً وخارجياً.
ويأتي هذا التعيين في سياق تتصاعد فيه الضغوط على السياسة النقدية في العراق، حيث يواجه البنك المركزي العراقي اختباراً مستمراً في ضبط توازنات السوق، ولا سيما في ما يتعلق بتمويل التجارة الخارجية، وتقليل الاعتماد على القنوات غير الرسمية في تحويل العملة، فضلاً عن الامتثال للمعايير الدولية الخاصة بالشفافية ومكافحة تدفقات الأموال غير المشروعة.
وبالنظر إلى الخلفية المهنية للمحافظ الجديد، الذي شغل سابقاً منصب مدير مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تبرز إشكالية محورية تتعلق بمدى انعكاس هذه الخبرة على إدارة السياسة النقدية الأوسع. فخبرة مكافحة غسل الأموال تعد عاملاً داعماً في فهم شبكات التدفقات المالية والامتثال الرقابي، لكنها في الوقت ذاته لا تختزل وحدها أدوات إدارة سعر الصرف أو معالجة الاختلالات الهيكلية في القطاع المصرفي.
وتتجه الأنظار إلى قدرة الإدارة الجديدة على إعادة صياغة أدوات التدخل النقدي، وتحسين كفاءة القطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية في التحويلات المالية، بما ينسجم مع متطلبات المؤسسات الدولية. كما يظل السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة البنك المركزي على الموازنة بين الضغط السياسي والاقتصادي من جهة، ومتطلبات الاستقرار النقدي من جهة أخرى، في بيئة تتسم بتقلبات مالية داخلية وخارجية متسارعة.

ويقول أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، لـ"النهار"، ان "ما ينتظر محافظ البنك المركزي العراقي الجديد لا يقتصر على إدارة السياسة النقدية أو الحفاظ على استقرار سعر الصرف، بل يتمثل في قيادة مرحلة إصلاح مالي ومصرفي معقدة تتداخل فيها التحديات المحلية مع المتطلبات الدولية".
وبين السعدي انه "اليوم يقف العراق أمام استحقاق مهم بعد إدراجه على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهو ما يجعل ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية وطنية واقتصادية وليس مجرد التزام رقابي، ومن هذه الزاوية، فإن اختيار شخصية تمتلك خبرة مباشرة في إدارة مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قد يمثل نقطة قوة مهمة للبنك المركزي خلال المرحلة المقبلة".
وأضاف أنه "أعتقد أن المحافظ الجديد يمتلك فهماً تفصيلياً لنقاط الضعف التي شخصتها المؤسسات الدولية في النظام المالي العراقي، وبالتالي سيكون قادراً على تسريع إجراءات الامتثال وتعزيز الرقابة على التحويلات المالية والقطاع المصرفي وشركات الصرافة والدفع الإلكتروني، بما يساهم في استعادة الثقة الدولية بالقطاع المالي العراقي".
وتابع انه "نجاحه لن يقاس فقط بملف الامتثال الدولي، وإنما بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار النقدي ودعم النشاط الاقتصادي، واستكمال إصلاح القطاع المصرفي، وتوسيع الشمول المالي، وتعزيز التحول الرقمي، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي الذي ما زال يمثل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد العراقي".
وأكد السعدي ان "المحافظ الجديد أمام فرصة تاريخية لتحويل التحديات الحالية إلى نقطة انطلاق لإصلاحات أعمق، لكن ذلك يتطلب استقلالية مؤسسية، وتنسيقاً عالياً مع الحكومة والقطاع المصرفي، ورؤية واضحة تجعل من البنك المركزي مؤسسة تقود الإصلاح المالي وليس مجرد جهة تدير السياسة النقدية، وإذا نجح في هذا المسار، فإن العراق لن يحقق فقط الخروج من القائمة الرمادية مستقبلاً، بل سيعزز قدرته على جذب الاستثمار وتخفيض كلفة التعاملات المالية ورفع مستوى الثقة بالاقتصاد الوطني.
وفي المحصلة، لا ينظر إلى منصب المحافظ الجديد بوصفه موقعاً تقنياً فحسب، بل باعتباره مركز ثقل في إدارة واحدة من أكثر الملفات حساسية في الدولة العراقية، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد، ويصبح نجاح أو تعثر السياسة النقدية مؤشراً مباشراً على اتجاهات الاستقرار المالي في المرحلة المقبلة.
من جهته يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية حيدر الشيخ، لـ"النهار"، ان "هناك الكثير من المشاكل الفنية والإدارية تنتظر محافظ البنك المركزي الجديد بما يتعلق بارتفاع الدين الداخلي وازمة المصارف وسعر صرف الدولار ووضع العراق على القائمة الرمادية".
وأكد الشيخ ان "المحافظ الجديد نزار ناصر الذي كان يشغل مدير مكتب مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب على دراية تامة بالأوضاع الاقتصادية والأزمة المالية وخصوصا قضية تهريب الدولار وغسيل الأموال".
وأضاف ان "المحافظ الجديد أمام تحدي حقيقي لمواجهة استمرار ارتفاع الدين الداخلي والذي تجاوز 95 تريليون دينار أي نحو (72.5 مليار دولار)، أما التحدي الآخر أزمة سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي في السوق الموازي حيث ان سعر في السوق يختلف عن السعر الرسمي بـ 26 ألف دينار أي نحو (20 دولاراً)".
نبض