استقالات في الهيئة الناظمة للكهرباء… هل انهار "حجر أساس" الإصلاح قبل أن يُبنى؟

اقتصاد وأعمال 24-06-2026 | 13:58

استقالات في الهيئة الناظمة للكهرباء… هل انهار "حجر أساس" الإصلاح قبل أن يُبنى؟

إذا كانت الهيئة التي انتظرها لبنان أكثر من عقدين قد تعثرت قبل أن تثبت حضورها، فهذا يعني أن الخلل ليس فقط في الأشخاص، بل في البيئة التي أطلقت فيها الهيئة.

استقالات في الهيئة الناظمة للكهرباء…  هل انهار "حجر أساس" الإصلاح قبل أن يُبنى؟
تبدو التطورات الأخيرة أكثر من مجرد استقالات أو تعديل في الأسماء، وتضع الإصلاح الكهربائي برمته أمام اختبار صدقية
Smaller Bigger

حين خرج وزير الطاقة والمياه جو الصدي في أيلول الماضي ليزف إلى اللبنانيين "ولادة" الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء بعد 23 عاما من المماطلة، بدا المشهد كأنه بداية مسار إصلاحي طال انتظاره في أكثر قطاعات الدولة استنزافا للمال العام وإثارة لنقمة اللبنانيين.

يومها، قدمت الهيئة بوصفها "الحجر الأساس" لانتظام القطاع، وأحد الشروط الجوهرية التي يطلبها المانحون لإثبات جدية لبنان في الإصلاح. لكن ما جرى بعد أقل من عام كشف مفارقة لبنانية ثقيلة: الهيئة التي أريد لها أن تكون عنوانا للحوكمة والاستقلالية والشفافية، تجد نفسها اليوم في قلب أزمة استقالات وغياب، قبل أن تتمكن أساسا من فرض حضورها في قطاع ينهار يوميا تحت أعين الدولة.

لكن اللافت، وإن لم يكن مفاجئا، كان طلب وزارة الطاقة إدراج بند في جدول أعمال مجلس الوزراء عن "قبول استقالة رئيس هيئة تنظيم قطاع الكهرباء محمد مروان جمال، واعتبار العضو المتفرغ فيها هنري ضاهر ضاهر بحكم غير المباشر للعمل ومستقيلا حكما، والموافقة على تعيين بديلين منهما".

في الأشهر الأخيرة، كثرت علامات الاستفهام حول غياب أي أثر علني ملموس للهيئة. لم تصدر عنها مقاربة واضحة للأزمات المتلاحقة، ولا تصور طارئ للتعامل مع انهيارات التغذية أو التشوهات المزمنة في الجباية والتوزيع، فيما كانت وزارة الطاقة ترد بأن الهيئة "تعمل بصمت" على إعداد أطر تنظيمية للتوزيع والجباية، وتحضير نظامها المالي والإداري ومقرها الدائم في بيروت. غير أن هذا التفسير لم يكن كافيا لتبديد الشكوك أو لإقناع الرأي العام بأن الهيئة بدأت فعلا تمارس الدور الذي أنشئت من أجله، وخصوصا في قطاع تحول الغموض فيه إلى قاعدة والشفافية إلى استثناء.

الرهان على الهيئة الناظمة لم يكن محليا فقط، بل بدا خارجيا أيضا. فجوهر إنشائها لا يقتصر على إضافة جهاز إداري جديد إلى بنية القطاع، بل على سحب التنظيم من قبضة القرار السياسي اليومي ووضعه في عهدة مؤسسة مستقلة تحدد القواعد، وتراقب التطبيق، وتحاسب المخالفين. 

 

 

استقالة لأسباب عائلية وعضو لم يلتحق 

بحسب مصادر في وزارة الطاقة، فإن الاستقالات حصلت هذا الأسبوع، وليس كما يشاع فور إعلان الأسماء. وتؤكد أن رئيس الهيئة محمد مروان جمال تقدم باستقالته لأسباب عائلية مرتبطة بعدم رغبته في نقل عائلته إلى لبنان في الظروف الراهنة، بعدما كان قد باشر عمله وتابع ملفاته خلال الأشهر الماضية. أما العضو هنري ضاهر فلم يلتحق أساسا، رغم التواصل معه وإعطائه مهلة للحضور، قبل أن يعدّ متخلفا عن مباشرة مهماته ومستقيلا حكما.

وتشير المصادر إلى أن استبدال الاسمين سيتم من بين الأسماء التي كانت قد رفعت أساسا وفق الآلية المعتمدة.

وتشدد على أن "أي حديث عن تقاضي بدل أو رواتب مِن جانب مَن لم يباشروا العمل غير صحيح"، موضحة أن أحدا من أعضاء الهيئة لم يتقاض أي راتب إلى الآن، حتى أولئك الذين يزاولون العمل منذ أيلول، بسبب عدم استكمال الإجراءات الإدارية والمالية. وتؤكد أن "3 أعضاء يواصلون العمل، فيما كان رئيس الهيئة يباشر مهماته قبل استقالته، في حين لم يلتحق العضو الخامس نهائيا".

لكن الوزارة تحاول في المقابل الفصل بين أزمة العضوية وعمل الهيئة، إذ تؤكد أن الأعضاء الحاليين يقومون "بعمل مهم جدا"، مستشهدة بتعاون قائم مع جهات دولية من بينها الوكالة الفرنسية للتنمية والبنك الدولي، وبأن الهيئة كانت تحضر خلال الفترة الماضية ملفات ومشاريع يفترض أن تتضح نتائجها قريبا.

 

 

هل تلتحق الهيئة بسلسلة طويلة من المؤسسات التي ولدت تحت عنوان الإصلاح ثم انتهت أسيرة التعطيل نفسه
هل تلتحق الهيئة بسلسلة طويلة من المؤسسات التي ولدت تحت عنوان الإصلاح ثم انتهت أسيرة التعطيل نفسه

 

هل للهيئة استقلال وفاعلية؟

المشكلة لا تختصرها استقالة رئيس أو تغيب عضو، بل تتصل بما إذا كانت الهيئة قد أعطيت منذ البداية شروط العمل التي تسمح لها بأن تتحول إلى سلطة ناظمة حقيقية، لا إلى واجهة إصلاحية إضافية في قطاع اعتاد إنتاج الهياكل أكثر من إنتاج الحلول. فالهيئات الناظمة لا تقاس فقط بعدد أعضائها أو بسرعة استكمال ملاكها، بل بقدرتها على الإمساك بالملفات الجوهرية، وفرض قواعد اللعبة، وتظهير استقلاليتها عن الوزارة وعن مؤسسة كهرباء لبنان وشبكات المصالح التي تشكلت على مدى عقود حول هذا القطاع.

من هنا، تبدو التطورات الأخيرة أكثر من مجرد استقالات أو تعديل في الأسماء، وتضع الإصلاح الكهربائي برمته أمام اختبار صدقية. فإذا كانت الهيئة التي انتظرها لبنان أكثر من عقدين قد تعثرت قبل أن تثبت حضورها، فهذا يعني أن الخلل ليس فقط في الأشخاص، بل في البيئة التي أطلقت فيها الهيئة، وفي غياب البنية المؤسسية الجاهزة لحمايتها وتمكينها من أداء دورها. 

يبقى السؤال: هل تتحول الهيئة سريعا إلى لاعب تنظيمي فعلي، أو تلتحق بسلسلة طويلة من المؤسسات التي ولدت تحت عنوان الإصلاح ثم انتهت أسيرة التعطيل نفسه الذي قيل إنها جاءت لكسره؟

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/23/2026 10:35:00 PM
بعد سنوات من الجدل القضائي... تنفيذ حكم الإعدام بحق "فتاة بورسعيد"
كتاب النهار 6/22/2026 5:30:00 AM
إنّي، بنبرةٍ قاسيةٍ غير مسبوقة، أدعو رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والحكومة ورئيس مجلس النوّاب والنوّاب إلى التقدّم من الأمم المتّحدة ومجلس الأمن الدوليّ بطلب تحييد لبنان
النهار تتحقق 6/23/2026 9:29:00 AM
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب رافع الرأس بفخر. وكُتب على صورته Thanks USA، اي شكراً الولايات المتحدة الأميركية.