هكذا تعيد الحروب رسم قواعد الاستثمار طويل الأجل
تظهر مقاربة استثمارية أكثر ارتباطاً بالتحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل الصناعات الاستراتيجية.
في لحظة تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع التحولات التكنولوجية، يعود ملف الاستثمار في التقاعد إلى الواجهة من جديد، ولكن هذه المرة تحت ضغط أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد "كم سأكسب؟" أو "ما هو أقل مستوى من المخاطر؟".
فالنموذج التقليدي الذي اعتمد عليه المستثمرون لعقود; القائم على صناديق الاستثمار المتنوعة، الأسهم، السندات، والذهب كأداة تحوّط; يبدو اليوم وكأنه يدخل مرحلة مراجعة شاملة. فالتغير في معدلات التضخم، وعدم استقرار العوائد الحقيقية، وتزايد الترابط بين الأصول العالمية، كلها عوامل تقلّص من فعالية الاستراتيجيات الكلاسيكية التي صُممت لبيئات اقتصادية أكثر استقراراً.
ومع ارتفاع متوسط أعمار التقاعد وتزايد الحاجة إلى تدفقات دخل طويلة الأجل، لم يعد الهدف مجرد "حماية رأس المال"، بل تحقيق توازن دقيق بين النمو والاستدامة والقدرة على مواجهة صدمات الأسواق عبر عقود ممتدة.
لكن التحول الأهم لا يكمن فقط في إعادة توزيع الأصول، بل في إعادة تعريف مصادر العائد نفسها. إذ بدأت تظهر مقاربة استثمارية أكثر ارتباطاً بالتحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، وعلى رأسها التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل الصناعات الاستراتيجية.
في هذا السياق، برز قطاع الصناعات الدفاعية كأحد أبرز محاور النقاش الاستثماري طويل الأجل. فخلال فترات التصعيد الجيوسياسي الأخيرة، شهدت أسهم شركات الدفاع العالمية موجات من الاهتمام المتزايد، انعكست في تحركات حادة في الأسعار وارتفاعات سريعة في بعض الجلسات، بالتوازي مع تنامي الطلب على الشركات العاملة في إنتاج الأنظمة العسكرية المتقدمة، والطائرات المسيّرة، وتقنيات المراقبة، والحلول السيبرانية الدفاعية. ويأتي ذلك في سياق سوق يشهد إنفاقاً عسكرياً عالمياً يتجاوز 2.7 تريليون دولار سنوياً، ما يعكس تحوّل “الأمن” إلى عنصر استثماري هيكلي طويل الأمد وليس مجرد استجابة ظرفية للأزمات.
أبرز المستفيدين
تاريخياً، أظهرت فترات الحروب والتوترات العسكرية أن شركات الدفاع كانت من أبرز المستفيدين من التحولات الأمنية الكبرى. فمع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، دخلت أوروبا مرحلة إعادة تسليح واسعة النطاق، شملت رفع ميزانيات الدفاع بشكل غير مسبوق، أبرزها الحزمة الألمانية الخاصة بالإنفاق العسكري البالغة 100 مليار يورو، إلى جانب خطط طويلة الأجل لزيادة القدرات الدفاعية. ونتيجة لذلك، سجل قطاع الدفاع الأوروبي أداءً قوياً، حيث ارتفع سهم Rheinmetall في بداية 2025 بنحو 8% في يوم واحد، بينما قفز سهم Hensoldt بحوالي 14% مدفوعاً بتوقعات متصاعدة لزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي.
ومع استمرار هذا الزخم، أصبحت Rheinmetall واحدة من أبرز قصص النجاح في الأسواق الأوروبية، محققة مكاسب تجاوزت 160% خلال عام 2025 وحده، مستفيدة من موجة إعادة التسلح في ألمانيا وأوروبا، ومن توسع العقود الدفاعية طويلة الأجل المرتبطة بإعادة بناء القدرات العسكرية في القارة.
وفي الولايات المتحدة، تكرر المشهد خلال التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران عام 2025، حيث انعكس التوتر بشكل مباشر على أسهم شركات الدفاع الأميركية. فقد ارتفعت أسهم كبرى الشركات فور اندلاع الأحداث، ومن أبرز الرابحين: Lockheed Martin بنسبة تقارب 4.5%، وRTX بنحو 5%، وNorthrop Grumman بحوالي 4%، وL3Harris Technologies بنحو 3.8%. وقد جاء هذا الأداء نتيجة توقعات المستثمرين بزيادة الإنفاق العسكري وارتفاع الطلب على الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات العسكرية المتقدمة، في ظل بيئة جيوسياسية تتجه نحو مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.

قطاع مرتبط بالأزمات
هذا التفاعل السريع للأسواق مع الأحداث الجيوسياسية يعكس تحولاً أعمق في طريقة تسعير قطاع الدفاع، حيث لم يعد يُنظر إليه كقطاع دوري مرتبط بالأزمات فقط، بل كجزء من بنية اقتصادية استراتيجية تستفيد من ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي وتحوّل الأمن القومي إلى أولوية دائمة لدى الحكومات.
وبعد انتهاء مراحل التوتر المباشر، لم يفقد هذا القطاع زخمه بالكامل، بل حافظ على جاذبيته باعتباره امتداداً لدورة إنفاق عالمية متصاعدة، مدفوعة بزيادة ميزانيات الدفاع، وتحوّل الأمن القومي إلى أولوية استراتيجية لدى العديد من الدول.
العامل الثاني يتمثل في تسارع دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية، حيث لم تعد الصناعات الدفاعية تعتمد فقط على القوة التقليدية، بل على قدرات تحليل البيانات، وأنظمة القيادة الذاتية، وتطوير تقنيات دقيقة تعتمد على التعلم الآلي. هذا التحول يجعل من القطاع نقطة التقاء بين الثورة التكنولوجية والطلب الأمني العالمي.
أما العامل الثالث فيتمثل في تنامي الطلب على التقنيات الأمنية المتقدمة، بما في ذلك الأمن السيبراني، وحماية البنى التحتية الحيوية، وأنظمة الاستخبارات الرقمية، وهي مجالات لم تعد محصورة في الاستخدام العسكري فقط، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية والمدنية الحديثة.
الجدل الأخلاقي
غير أن هذا التوجه الاستثماري لا يخلو من جدل واسع، خصوصاً على المستوى الأخلاقي. فالكثير من المستثمرين والمؤسسات المالية يطرحون تساؤلات حول مدى توافق الاستثمار في شركات الأسلحة مع مبادئ الاستثمار المسؤول اجتماعياً، معتبرين أن تمويل هذا القطاع قد يثير إشكاليات مرتبطة بطبيعة الاستخدام النهائي لتلك التقنيات وتأثيرها الإنساني.
ومع ذلك، يرى طرف آخر من المحللين أن هذا الجدل الأخلاقي لا يلغي بالضرورة الجدوى الاقتصادية للقطاع، خاصة في ظل كونه مرتبطاً بعقود حكومية طويلة الأجل وطلب مستمر لا يتأثر كثيراً بالدورات الاقتصادية التقليدية. بل إن البعض يشير إلى أن هذا القطاع قد يحقق، في فترات معينة، عوائد تفوق بعض الاستثمارات التقليدية مثل جزء من الأسهم الدفاعية أو حتى بعض الأصول البديلة، نتيجة الطبيعة الهيكلية للطلب عليه.
ومن هنا، لا يُطرح الاستثمار في الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي العسكري كبديل أخلاقي أو غير أخلاقي بقدر ما هو قرار استثماري يخضع لمعادلة دقيقة بين العائد، المخاطر، والقيم الاستثمارية للمستثمر نفسه.
نبض