بريكست بعد عشر سنوات: كيف أعاد الخروج من الاتحاد الأوروبي تشكيل الاقتصاد البريطاني؟
بعد عشر سنوات على بريكست، تشير معظم التقديرات الاقتصادية إلى أن بريطانيا تجنبت الانهيار الذي حذّر منه المعارضون، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً ملموساً تمثل في نموّ أبطأ واستثمارات أقل وتجارة أكثر كلفة.
تمر عشر سنوات على الاستفتاء التاريخي الذي صوّت فيه البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، في خطوة أنهت أكثر من أربعة عقود من العضوية الأوروبية وأطلقت واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والسياسية إثارة للجدل في العالم المتقدم.
وعندما صوّت 52% من الناخبين لصالح الانفصال عام 2016، انقسم الخبراء بين من حذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد، ومن رأى أن التحرر من القواعد الأوروبية سيفتح الباب أمام نهضة اقتصادية وتجارية جديدة. وبعد عقد كامل، أصبح من الممكن قياس النتائج الفعلية بعيداً عن الشعارات السياسية التي هيمنت على النقاش آنذاك.
وتُظهر معظم الدراسات الاقتصادية الصادرة خلال عام 2026 أن بريطانيا لم تشهد الانهيار الاقتصادي الذي توقعه بعض المعارضين، لكنها في المقابل لم تحقق المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي وعد بها مؤيدو الخروج.
اقتصاد أصغر مما كان يمكن أن يكون
تشير دراسة صادرة عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER)، إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني أصبح أقل بنحو 6 و 8% مقارنة بالمسار الذي كان يمكن أن يسلكه الاقتصاد لو بقيت المملكة المتحدة عضواً في الاتحاد الأوروبي.
ويرى باحثون اقتصاديون، بينهم خبراء في "مركز الإصلاح الأوروبي" (Centre for European Reform) و"كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية" (London School of Economics)، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ألحق أضراراً ملموسة بالاقتصاد البريطاني. هذا التأثير لم يكن نتيجة حدث واحد، بل حصيلة عوامل تراكمت على مدى سنوات، أبرزها تراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع تكاليف التجارة، وانخفاض الإنتاجية، إضافة إلى حالة عدم اليقين التي رافقت المفاوضات الطويلة بشأن ترتيبات ما بعد الانفصال.
وتراجعت الاستثمارات التجارية بنسبة راوحت بين 12% و18% خلال السنوات التي أعقبت الاستفتاء، ما انعكس على قدرة الشركات البريطانية على التوسع وزيادة الإنتاج.
من بريكست إلى ليز تراس.. كيف خسر الجنيه الإسترليني بريقه أمام الدولار (2016-2026)؟
يُظهر مسار الجنيه الإسترليني خلال العقد الأخير حجم التحولات التي يمكن أن تصيب العملات الكبرى تحت تأثير الصدمات السياسية والاقتصادية.
ففي مطلع عام 2014، كان الجنيه يتداول قرب 1.67 دولار، قبل أن يتلقى أولى ضرباته الكبرى مع استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في حزيران/ يونيو 2016، حين هبط من نحو 1.47 دولار إلى قرابة 1.30 دولار خلال فترة وجيزة، فاقداً نحو 12% من قيمته ومؤسساً لمرحلة جديدة من الضعف مقارنة بمستوياته السابقة.
ولم تكن جائحة كورونا أقل تأثيراً، إذ دفعت موجة الإغلاق الأولى في آذار/ مارس 2020 العملة البريطانية إلى التراجع نحو 1.14 دولار، وهو أحد أدنى مستوياتها خلال العقد. ورغم تعافٍ لاحق أعاد الجنيه إلى حدود 1.38 دولار، فإن الصدمة الأشد جاءت في أيلول/ سبتمبر 2022 مع أزمة "الميزانية المصغرة" لحكومة Liz Truss، عندما انزلق إلى نحو 1.04 دولار مقترباً من التعادل مع الدولار للمرة الأولى منذ عقود.
أما اليوم، فقد استعاد الجنيه جزءاً كبيراً من خسائره ليتداول في نطاق 1.32-1.33 دولار، مرتفعاً بنحو 28% عن قاع 2022، لكنه لا يزال أقل بنحو خمس قيمته مقارنة بذروته المسجلة قبل بريكست. وتُبرز هذه المقارنة كيف حافظ الدولار على تفوقه أمام الإسترليني عبر ثلاث أزمات كبرى متتالية: بريكست، وكورونا، وأزمة ليز تراس.

التجارة... الحلقة الأكثر تأثراً
كانت التجارة الخارجية من أكثر القطاعات تأثراً ببريكست. فقبل الخروج، كانت الشركات البريطانية تتمتع بوصول مباشر وسلس إلى سوق أوروبية تضم أكثر من 450 مليون مستهلك من دون رسوم جمركية أو إجراءات حدودية معقدة.
أما اليوم، فرغم استمرار التبادل التجاري بين الطرفين، تواجه الشركات البريطانية مجموعة من المتطلبات الإدارية والتنظيمية الجديدة، تشمل التصاريح الجمركية، وشهادات المنشأ، ومتطلبات الامتثال للمعايير الأوروبية.
وبحسب بيانات وزارة الأعمال والتجارة لعام 2025، بلغت قيمة الصادرات البريطانية إلى دول الاتحاد الأوروبي 385.4 مليار جنيه إسترليني (41.4% من إجمالي الصادرات)، فيما بلغت الواردات 474.1 مليار جنيه إسترليني (49% من إجمالي الواردات).
ووفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني الصادرة في حزيران/ يونيو 2026، لا يزال الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للمملكة المتحدة، إلا أن العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة واجهت صعوبات في مواصلة نشاطها التصديري بسبب ارتفاع التكاليف الإدارية واللوجستية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن صادرات السلع البريطانية إلى الاتحاد الأوروبي ما زالت أقل من مستوياتها المحتملة لو استمرت عضوية بريطانيا في السوق الموحدة.
الاستثمار الأجنبي يفقد بعض بريقه
لطالما شكّلت بريطانيا بوابة للشركات العالمية الراغبة في الوصول إلى السوق الأوروبية. غير أن الخروج من الاتحاد الأوروبي دفع عدداً من الشركات المتعددة الجنسيات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاستثمارية.
فقد نقلت بعض المؤسسات المالية العالمية أجزاءً من عملياتها من لندن إلى مدن أوروبية مثل فرانكفورت وباريس وأمستردام للحفاظ على إمكانية الوصول المباشر إلى الأسواق الأوروبية.
ورغم احتفاظ لندن بمكانتها كأحد أكبر المراكز المالية العالمية، تباطأت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالسنوات التي سبقت الاستفتاء.
سوق العمل والهجرة
كان ملف الهجرة أحد المحركات الرئيسية لحملة الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبعد انتهاء حرية تنقل العمال الأوروبيين، شهدت المملكة المتحدة تراجعاً في أعداد العمال الوافدين من دول الاتحاد.
وأدى ذلك إلى نقص في اليد العاملة في بعض القطاعات، ولا سيما الزراعة والنقل والرعاية الصحية والضيافة، ما دفع الحكومات المتعاقبة إلى تعديل نظام التأشيرات لاستقطاب العمالة الماهرة من خارج أوروبا.
وأسهم هذا النقص في زيادة الضغوط على الأجور وارتفاع تكاليف التشغيل بالنسبة إلى عدد من الشركات.
هل عوضت الاتفاقيات التجارية الجديدة خسائر أوروبا؟
بعد بريكست، سعت بريطانيا إلى بناء شبكة جديدة من الاتفاقيات التجارية المستقلة، ووقعت اتفاقات مع عدد من الدول، كما انضمّت إلى الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ (CPTPP).
ورغم أهمية هذه الخطوات من الناحية الاستراتيجية، ترى معظم الدراسات أن المكاسب الاقتصادية الناتجة عنها ما تزال محدودة مقارنة بحجم التجارة الذي كانت توفره السوق الأوروبية الموحدة.
ويجمع العديد من الاقتصاديين على أن القرب الجغرافي والتكامل العميق مع الاتحاد الأوروبي يجعلان من الصعب تعويض أي تراجع في العلاقات التجارية الأوروبية عبر أسواق بعيدة جغرافياً.
الاقتصاد البريطاني بين التكيّف والفرص الجديدة
على الرغم من التحديات، أظهر الاقتصاد البريطاني قدراً من المرونة خلال السنوات الماضية. فقد حافظ قطاعا الخدمات المالية والتكنولوجيا على قدرتهما التنافسية، واستمرت بريطانيا في جذب الاستثمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الحيوية.
إلا أن الأداء الاقتصادي العام ظل أضعف من نظيره في عدد من الاقتصادات المتقدمة، وسط استمرار النقاش بشأن أفضل صيغة للعلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي.
عشر سنوات لاحقاً... ماذا يقول الحكم الاقتصادي؟
بعد مرور عقد على الاستفتاء، يبدو الحكم الاقتصادي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فبريكست لم يؤدِّ إلى أزمة اقتصادية شاملة أو انهيار مالي كما توقع بعض المعارضين، لكنه فرض تكاليف اقتصادية ملموسة تمثلت في تباطؤ النمو، وضعف الاستثمار، وتراجع كفاءة التجارة مقارنة بما كان يمكن تحقيقه داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، حصلت بريطانيا على قدر أكبر من الاستقلالية في رسم سياساتها التجارية والتنظيمية والهجرية. ويبقى الجدل قائماً حول ما إن كانت هذه المكاسب السياسية والسيادية تستحق الثمن الاقتصادي الذي دفعته البلاد خلال السنوات العشر الماضية، وهو نقاش لا يزال يشكل جزءاً أساسياً من الحياة السياسية والاقتصادية البريطانية حتى اليوم.
نبض