الذكاء الاصطناعي العسكري ركيزة في سباق التسلح العالمي
تقدّر معظم الدراسات حجم سوق الذكاء الاصطناعي العسكري بما يتراوح بين 10 و15 مليار دولار حالياً، مع توقعات بنمو سنوي مزدوج الرقم خلال السنوات المقبلة،
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تكنولوجي مدني تدور حوله رهانات الشركات الكبرى والمستثمرين، بل أصبح سريعاً أحد أهم محاور التنافس العسكري والاستخباري بين الدول. فمع اتساع الحروب الحديثة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، باتت الجيوش تبحث عن أدوات قادرة على تسريع جمع المعلومات وتحليل البيانات وتحديد الأهداف وإدارة الطائرات المسيّرة ودعم القرار العسكري في بيئات قتالية معقدة وسريعة التغير.
وتأتي هذه الموجة في ظل ارتفاع قياسي في الإنفاق الدفاعي العالمي. فقد اقترب الإنفاق العسكري العالمي من 2.9 تريليون دولار في عام 2025، مسجلاً أكثر من عقد متواصل من النمو. وضمن هذا الإنفاق المتزايد، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أكثر المجالات جذباً للتمويل، ليس فقط لأنه يطوّر نوعية السلاح، بل لأنه يعيد تشكيل طريقة إدارة الحروب واتخاذ القرارات العسكرية.
وتقدّر معظم الدراسات حجم سوق الذكاء الاصطناعي العسكري بما يتراوح بين 10 و15 مليار دولار حالياً، مع توقعات بنمو سنوي مزدوج الرقم خلال السنوات المقبلة، ما قد يدفع حجم السوق إلى ما بين 25 و40 مليار دولار خلال العقد المقبل. ورغم أن هذه الأرقام لا تزال متواضعة مقارنة بحجم الإنفاق الدفاعي العالمي، فإن أهميتها تكمن في سرعة نموها وفي ارتباطها المباشر بمستقبل الصناعات الدفاعية.

الولايات المتحدة تقود السباق
تقود الولايات المتحدة هذا التوجه بوضوح، سواء عبر وزارة الدفاع أو عبر شركات التكنولوجيا الدفاعية الصاعدة. وقد أصبحت شركات مثل Palantir وAnduril وShield AI وGeneral Atomics وLockheed Martin وNorthrop Grumman وRTX في قلب هذا التحول. ولم تعد المنافسة محصورة في إنتاج الطائرات والدبابات والصواريخ، بل انتقلت إلى البرمجيات، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والطائرات المسيّرة ذاتية أو شبه ذاتية التشغيل.
ويعكس صعود شركة Anduril التحول في شهية المستثمرين نحو الدفاع التكنولوجي، إذ تجاوز تقييم الشركة 60 مليار دولار مدفوعاً بالطلب المتزايد على المسيّرات وأنظمة المراقبة وبرمجيات القيادة والسيطرة. كما حصلت الشركة، إلى جانب General Atomics، على عقود مرتبطة ببرنامج الطائرات القتالية المرافقة شبه الذاتية في سلاح الجو الأميركي، في إشارة إلى انتقال هذه التقنيات من مرحلة التجارب إلى مرحلة الإنتاج الفعلي.
ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري على المسيّرات الصغيرة، بل يمتد إلى برامج الطائرات القتالية المرافقة (Loyal Wingman)، التي ترافق المقاتلات المأهولة وتنفذ مهام الاستطلاع والتشويش والدعم القتالي بشكل شبه ذاتي. وتُعد هذه الأنظمة من أسرع مجالات الاستثمار نمواً داخل القوات الجوية الأميركية، نظراً لقدرتها على خفض المخاطر البشرية وتعزيز الكفاءة العملياتية.
سباق عالمي يتجاوز الولايات المتحدة
ولا يقتصر السباق على الولايات المتحدة. الصين تستثمر بكثافة في الذكاء الاصطناعي العسكري ضمن استراتيجيتها لبناء جيش أكثر تقدماً تكنولوجياً، بينما تسعى أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الشركات الأميركية وتعزيز ما تسميه "السيادة الرقمية الدفاعية". كما تعمل مبادرات مثل حاضنة الابتكار الدفاعي التابعة لحلف الناتو (DIANA) وصندوق الدفاع الأوروبي على تمويل مشاريع في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والاستشعار والفضاء والاتصالات والأنظمة الذاتية.
وفي الشرق الأوسط، أظهرت النزاعات الأخيرة استخداماً متزايداً لأدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها وتسريع دورات اتخاذ القرار العسكري. وتؤكد هذه التجارب أن القيمة العسكرية للذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في امتلاك السلاح، بل في القدرة على ربط المعلومات بالقرار والعملية الميدانية بسرعة أكبر.

أين تتجه الاستثمارات؟
تتوزع الاستثمارات الحالية على عدة مجالات رئيسية. أولها الطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية، التي أصبحت سلاحاً منخفض التكلفة نسبياً وعالي التأثير. وثانيها أنظمة تحليل البيانات الضخمة، حيث تُستخدم الخوارزميات لفرز كميات هائلة من الصور والاتصالات والإشارات والمعلومات الاستخبارية. وثالثها أنظمة التعرف إلى الأهداف ودعم القرار، وهي من أكثر المجالات حساسية بسبب ارتباطها المباشر بالقانون الدولي والمخاطر الأخلاقية. أما المجال الرابع فهو الدفاع السيبراني والحرب الإلكترونية، حيث يساعد الذكاء الاصطناعي على كشف الهجمات وتحليل الأنماط وتعزيز سرعة الاستجابة.
اقتصادياً، يبدو هذا القطاع مرشحاً للتحول إلى أحد أبرز محركات الإنفاق الدفاعي العالمي. فالجيوش تبحث عن حلول أقل تكلفة وأكثر مرونة من المنظومات التقليدية، خصوصاً بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا أن المسيّرات والبرمجيات قد تغيّر ميزان المعركة بكلفة أقل من المنصات العسكرية الضخمة. كما أن نموذج "الدفاع كخدمة" بدأ يفرض نفسه، حيث لا تبيع الشركات معدات فقط، بل تقدم قدرات تشغيلية وبرمجية قابلة للتحديث المستمر.
سباق تسلح تقوده الخوارزميات
انعكس هذا التحول على أداء العديد من شركات الدفاع التكنولوجي خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأ المستثمرون يمنحون علاوات تقييم أعلى للشركات التي تجمع بين البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية مقارنة ببعض الشركات الدفاعية التقليدية. ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن القيمة المستقبلية في القطاع الدفاعي قد تنتقل تدريجياً من المنصات العسكرية الثقيلة إلى البرمجيات والخوارزميات والبيانات.
لكن هذا النمو لا يخلو من المخاطر. فالتقييمات المرتفعة لبعض شركات الدفاع التكنولوجي تعكس توقعات طموحة قد لا تتحقق بالسرعة نفسها، خصوصاً أن العقود الدفاعية تخضع لدورات طويلة ورقابة حكومية واعتبارات سياسية وجيوسياسية. كما أن الاعتماد المتزايد على الشركات الخاصة في مجالات حساسة يطرح أسئلة متزايدة حول السيادة والمساءلة وحماية البيانات.
في النهاية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي العسكري يتحول من مجال متخصص داخل ميزانيات الدفاع إلى ركيزة أساسية في سباق التسلح العالمي. فالدول التي ستنجح في دمج الخوارزميات مع السلاح، والبيانات مع القرار، والبرمجيات مع العمليات، ستكون أكثر قدرة على إدارة حروب المستقبل. لذلك، فإن موجة الاستثمار الحالية لا تبدو مجرد فقاعة تكنولوجية عابرة، بل تعبيراً عن تحول هيكلي أعمق في طبيعة القوة العسكرية، حيث تصبح البيانات والذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من القوة الصلبة للدول في القرن الحادي والعشرين.
نبض