أطراف فاعلة جديدة في الإمداد الحربي: تبدّل ثقل تصنيع السلاح وتصديره

اقتصاد وأعمال 26-06-2026 | 05:55

أطراف فاعلة جديدة في الإمداد الحربي: تبدّل ثقل تصنيع السلاح وتصديره

بدأت دول كثيرة تنظر إلى التصنيع العسكري المحلي باعتباره جزءاً من مفهوم أوسع يتعلق بالسيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي، لا مجرد مشروع صناعي أو تجاري.

أطراف فاعلة جديدة في الإمداد الحربي: تبدّل ثقل تصنيع السلاح وتصديره
جندي أوكراني يحمل مسيّرة محلية الصنع في دورة تدريبية. (فرانس برس)
Smaller Bigger

لوقت طويل، بدا موقع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سوق السلاح العالمية واضحاً ولا يحتاج إلى كثير من الشرح. كانت المنطقة واحدة من أكبر "المشترين" للأسلحة في العالم، فيما كانت الشركات الأميركية والأوروبية والروسية تتنافس على الفوز بصفقات بمليارات الدولارات مع حكومات المنطقة.

ومن الخليج العربي إلى شمال أفريقيا، خرجت مئات مليارات الدولارات على شكل عقود لشراء المقاتلات والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي والسفن الحربية. وفي المقابل، بقيت الصناعات العسكرية المحلية محدودة نسبياً، واقتصرت في كثير من الأحيان على أعمال الصيانة أو التجميع أو إنتاج الذخائر التقليدية. لكن هذه الصورة لم تعد دقيقة كما كانت قبل 20 سنة. خلال العقدين الأخيرين من الزمن بدأت المنطقة تشهد تحوّلاً هادئاً لكنه عميق. لم يعد عدد متزايد من الدول يكتفي بشراء السلاح، بل أصبح يسعى إلى تصنيعه أيضاً. ولم يعد الحديث يدور فقط حول أفضل الصفقات أو أحدث المنظومات، بل حول المصانع ومراكز البحوث والمهندسين ونقل التكنولوجيا وسلاسل الإنتاج المحلية.

أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، حدود القدرة الإنتاجية للصناعات العسكرية الغربية. ووجدت دول عديدة أن المصانع لا تستطيع دائماً تلبية الطلب المتزايد بسرعة، وأن تنفيذ بعض العقود قد يتأخر بسبب الأولويات السياسية أو العسكرية للدول المورّدة. كذلك يولّد الاعتماد الكامل على "المورّد الخارجي" نوعاً من التبعية بعيدة الأجل. لا يعني شراء السلاح الحصول على المنظومة فقط، بل أيضاً الاعتماد على الطرف المنتج في الصيانة وقطع الغيار والتحديثات التكنولوجية والتدريب. ولهذا بدأت دول كثيرة تنظر إلى التصنيع العسكري المحلي باعتباره جزءاً من مفهوم أوسع يتعلق بالسيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي، لا مجرد مشروع صناعي أو تجاري.

 

ما هي التحولات الراهنة؟

 

إذا كان من نموذج يجسد التحوّل من الاستيراد إلى الإنتاج والتصدير، فهو النموذج التركي. في تسعينيات القرن الماضي كانت تركيا تعتمد بدرجة كبيرة على "المورّدين" الغربيين لتأمين احتياجاتها الدفاعية. أما اليوم فقد أصبحت الصناعات الدفاعية واحدة من أكثر القطاعات ديناميكية في الاقتصاد التركي. بلغت صادرات الدفاع والطيران التركية نحو 7.4 مليارات دولار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025، وهو رقم كان يبدو بعيد المنال قبل سنوات قليلة فقط.

تقود هذا التحوّل شركات مثل "بايكار" (Baykar)، و"أسيلسان" (Aselsan)، و"روكيتسان" (Roketsan)، و"الصناعات الجوية التركية" (Turkish Aerospace Industries - TAI)، و"إس تي إم" (STM). وأصبحت المسيّرة "بيرقدار تي بي 2" (Bayraktar TB2) رمزاً لهذا النجاح. بعدما بدأت كمشروع محلي، تحوّلت إلى واحدة من أشهر المسيّرات في العالم. وتفيد شركة "بايكار" المنتجة لها بأنها وقّعت عقود تصدير لهذا الطراز مع 36 دولة، فيما وقّعت عقوداً للمسيّرة "أقنجي" (Akinci) مع 16 دولة.

لكن قصة تركيا لا تتوقف عند المسيّرات. تنتج البلاد اليوم سفناً حربية ومدرعات وصواريخ وأنظمة إلكترونية متقدمة، كما تطور المقاتلة الوطنية "قان" (KAAN)، التي تمثّل محاولة للدخول إلى واحدة من أكثر الصناعات العسكرية تعقيداً في العالم. وقد وقّعت إندونيسيا عقداً لشراء 48 مقاتلة من هذا الطراز، في إشارة إلى الطموح التركي لتجاوز حدود السوق المحلية.

 

المسيرة بايراكتار TB2 (R) معروضة بجانب مقاتلة بايكار غير المأهولة أكينجي في معرض دولي للدفاع والفضاء، إسطنبول، تركيا، 23 أكتوبر 2024. (الأناضول)
المسيرة بايراكتار TB2 (R) معروضة بجانب مقاتلة بايكار غير المأهولة أكينجي في معرض دولي للدفاع والفضاء، إسطنبول، تركيا، 23 أكتوبر 2024. (الأناضول)

 

إذا كانت تركيا تمثّل قصة الصعود الأبرز، تشكّل إسرائيل نموذج الصناعة الدفاعية الناضجة في المنطقة. خلال عقود طويلة، تحوّلت الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى أحد أهم القطاعات التكنولوجية في الاقتصاد الإسرائيلي، حتى أصبحت صادراتها الدفاعية جزءاً أساسياً من حضورها الاقتصادي العالمي. وفي عام 2025 بلغت صادرات السلاح الإسرائيلية مستوى قياسياً وصل إلى 19.2 مليار دولار.

تقود هذا القطاع شركات مثل "الصناعات الجوية الإسرائيلية" (Israel Aerospace Industries - IAI)، و"رافائيل" (Rafael)، و"إلبيت سيستمز" (Elbit Systems). وتعمل هذه الشركات في مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة تشمل الدفاع الجوي والرادارات والمسيّرات والحرب الإلكترونية والأقمار الاصطناعية العسكرية. وما يميز التجربة الإسرائيلية اقتصادياً أنها لا تعتمد على الطلب المحلي وحده، بل على التصدير المكثف للأسواق الخارجية، ما يمنحها قاعدة نمو أكثر استقراراً واستدامة.

 

من المستوردون الدائمون؟

 

في دول الخليج، لا يزال الاستيراد يمثّل الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري، لكن النظرة إلى الصفقات تغيرت في صورة واضحة. تتبع دولة الإمارات العربية المتحدة مساراً مميزاً عبر "مجموعة إيدج" (EDGE Group)، التي أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أبرز المؤسسات الدفاعية في المنطقة، مستثمرة في مجالات المسيّرات والحرب الإلكترونية والأنظمة البحرية والذخائر الذكية. وتصف المجموعة نفسها بأنها من أكبر 25 "مورّداً دفاعياً" في العالم.

ولم تعد المملكة العربية السعودية تنظر إلى صفقات السلاح باعتبارها عملية شراء فقط، بل كذلك بوصفها وسيلة لبناء قاعدة صناعية محلية ونقل المعرفة التكنولوجية إلى الداخل. ومن خلال "الهيئة العامة للصناعات العسكرية" و"شركة الصناعات العسكرية السعودية" (Saudi Arabian Military Industries - SAMI)، وضعت الرياض هدفاً يتمثّل في رفع نسبة المحتوى المحلي في الإنفاق العسكري إلى 50 في المئة بحلول عام 2030. وتشير تقديرات حديثة إلى أن نسبة التوطين الحالية تبلغ نحو 19.35 في المئة.

في شمال أفريقيا، تمتلك مصر واحدة من أقدم البنى الصناعية العسكرية في الشرق الأوسط. خلال السنوات الأخيرة حاولت القاهرة توسيع هذا القطاع عبر شراكات مع شركات أجنبية شملت الذخائر والمدرعات والمعدات البحرية والأنظمة المدفعية. ومن أبرز الأمثلة التعاون مع كوريا الجنوبية لإنتاج مدافع "كاي 9" (K9). لكن عملية التصنيع تجري في صورة تدريجية. في المراحل الأولى تُنتَج بعض المكونات الرئيسية في كوريا الجنوبية قبل تجميعها محلياً، على أن ترتفع نسبة المكوّن المحلي مع مرور الوقت وتطور خطوط الإنتاج.

وفي حين جاءت مشاريع التصنيع العسكري في تركيا والخليج من ضمن استراتيجيات تنموية وصناعية، وُلِدت التجربة الإيرانية بدرجة كبيرة تحت ضغط العقوبات. تدفع صعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية والتكنولوجيا الأجنبية طهران إلى الاستثمار في تطوير بدائل محلية. ومع مرور الوقت تمكنت إيران من بناء قدرات مهمة في مجالات الصواريخ الباليستية والمسيّرات وأنظمة الحرب الأخرى.

لكن ربما لا توجد تكنولوجيا أثرت في سوق السلاح الحديثة بقدر ما فعلت المسيّرات. في الماضي كان دخول سوق الصناعات العسكرية المتقدمة يتطلب استثمارات ضخمة في برامج المقاتلات أو السفن الحربية أو الصواريخ الاستراتيجية. أما اليوم فقد فتحت المسيّرات الباب أمام دول متوسطة الحجم للدخول إلى السوق بتكلفة أقل نسبياً. ولهذا لم يكن من قبيل الصدفة أن تكون الإمارات وتركيا وإيران من أبرز المستفيدين من هذا التحوّل.

وإذا كانت المسيّرات تمثّل الثورة الحالية، قد يكون الذكاء الاصطناعي الثورة المقبلة. تتجه الصناعة الدفاعية في صورة متزايدة نحو الأنظمة الذاتية التشغيل، وتحليل البيانات الضخمة، والخوارزميات المتقدمة، والقدرات المستقلة. لم تعد قيمة المنصة العسكرية تُقَاس فقط بالمحركات والهيكل والذخائر، بل أيضاً بالبرمجيات والقدرة على معالجة المعلومات واتخاذ القرار بسرعة وفاعلية. ولهذا تتدفق استثمارات متزايدة نحو الشركات العاملة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية، جنباً إلى جنب مع المصانع الدفاعية التقليدية.

 

أين الأسواق الجديدة؟

 

ويبقى السؤال الاقتصادي الأهم: أين ستجد هذه الصناعات أسواقها؟ لا تكفي السوق المحلية وحدها عادة لضمان استدامة الصناعة العسكرية. ولهذا تتجه أنظار المنتجين الجدد إلى أفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، حيث يتزايد الطلب على أنظمة أقل تكلفة من نظيراتها الغربية التقليدية. وفي هذه الأسواق تتنافس تركيا والصين وإسرائيل وكوريا الجنوبية وغيرها على عقود بمليارات الدولارات. ولا يدور التنافس حول السعر فقط، بل يشمل أيضاً التمويل ونقل التكنولوجيا والتدريب والدعم اللوجستي.

بيد أن ما يحدث في المنطقة ليس استثناءً. تحوّلت كوريا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز "مصدّري السلاح الصاعدين" في العالم، مستفيدة من نجاح منتجات مثل مدافع "كاي 9"، ودبابات "كاي 2" (K2)، والمقاتلات الخفيفة "إف إيه-50" (FA-50). كذلك تسعى الهند إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية عبر مشاريع مثل صاروخ "براهموس" (BrahMos) والمقاتلة "تيجاس" (Tejas). وفي البرازيل أسست شركة "إمبراير" (Embraer) حضوراً مهماً في قطاع الطيران العسكري، بينما تعمل دول مثل بولندا وإندونيسيا لتعزيز مساهمة الصناعة المحلية في تلبية احتياجاتها الدفاعية.

إذا كانت كوريا الجنوبية تمثّل نموذج الصعود التدريجي في صناعة السلاح، تشكّل أوكرانيا نموذجاً مختلفاً تماماً، إذ وُلِد جزء كبير من نموها الصناعي العسكري تحت ضغط الحرب نفسها. منذ الغزو الروسي في عام 2022 تتوسع القاعدة الدفاعية الأوكرانية في صورة غير مسبوقة، وترتفع القدرة الإنتاجية المقدّرة للصناعة العسكرية إلى عشرات مليارات الدولارات سنوياً، مدفوعة خصوصاً بإنتاج المسيّرات والأنظمة الإلكترونية والذخائر والأسلحة البعيدة المدى. كذلك انتقل القطاع من عشرات الشركات إلى مئات الشركات خلال سنوات قليلة. ولا تكمن أهمية التجربة الأوكرانية في حجم الإنتاج فقط، بل في سرعة الابتكار أيضاً، إذ تحوّلت البلاد إلى واحد من أكبر مختبرات التكنولوجيا العسكرية في العالم، وأصبحت مثالاً على قدرة الحروب أحياناً على إظهار "منتجين" جدد للسلاح، لا مجرد "مستهلكين" له.