اقتصاد التدوير في الإمارات... حياة ثانية لما نرميه

اقتصاد وأعمال 18-06-2026 | 13:01

اقتصاد التدوير في الإمارات... حياة ثانية لما نرميه

ما يحدث هنا يتجاوز فكرة النظافة العامة أو حماية البيئة. إنه جزء من قطاع اقتصادي متنامٍ يستند إلى فكرة بسيطة: بدلاً من دفن النفايات، لماذا لا نستفيد منها؟
اقتصاد التدوير في الإمارات... حياة ثانية لما نرميه
التدوير في الإمارات (أرشيفية).
Smaller Bigger

 

في نهاية يوم عادي، نرمي عبوة مياه فارغة في الحاوية ونمضي. بالنسبة إلى معظمنا، تنتهي القصة عند هذه اللحظة. لكن في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت في السنوات الأخيرة قصة أخرى. العبوة التي نعتبرها نفاية قد تتحوّل إلى مادة خام، والورق المستعمل قد يعود إلى السوق في هيئة منتج جديد، وحتى الركام الناتج عن هدم مبنى قد يجد طريقه إلى مشروع بنية تحتية آخر.

 

ما يحدث هنا يتجاوز فكرة النظافة العامة أو حماية البيئة. إنه جزء من قطاع اقتصادي متنامٍ يستند إلى فكرة بسيطة: بدلاً من دفن النفايات، لماذا لا نستفيد منها؟

 

هذا السؤال يزداد أهمية في دولة تشهد نمواً سكانياً وعمرانياً واقتصادياً متواصلاً. تشير تقديرات ومنشورات رسمية ودولية إلى أن متوسط إنتاج النفايات البلدية للفرد في الإمارات يُعَدّ من بين المعدلات المرتفعة عالمياً، إذ تراوح في أعوام مختلفة بين نحو 1.8 و2.5 كيلوغرام يومياً للفرد، بحسب العام والمنهجية المعتمدة في الاحتساب ونوع النفايات المحتسبة. وعندما نضع هذا الرقم في سياق مجتمع يضم ملايين السكان ويستقبل ملايين الزوار سنوياً، يصبح من السهل فهم سبب تحوّل النفايات إلى مسألة اقتصادية بقدر ما هي مسألة بيئية.

 

لكن اللافت أن الصورة التي تتبادر إلى الذهن عند الحديث عن إعادة التدوير ليست دائماً الصورة الكاملة. يفكر كثيرون فوراً في عبوات البلاستيك أو علب المشروبات أو الأوراق المستعملة. غير أن جزءاً كبيراً من قصة النفايات في الإمارات يرتبط بشيء آخر تماماً: البناء.

 

في بلد تكاد لا تتوقف فيه المشاريع العمرانية، تحتل مخلفات البناء والهدم موقعاً متقدماً بين أنواع النفايات. تشير بيانات رسمية في أبو ظبي إلى أن هذا النوع من النفايات شكّل أكثر من ثلث إجمالي النفايات في بعض السنوات، بل تجاوز 40 في المئة في سنوات أخرى. وهذا يعني أن الجرافة التي تهدم مبنى قديماً أو الورشة التي تبني مشروعاً جديداً قد تنتج مواد قابلة للاستفادة الاقتصادية تفوق بكثير ما تنتجه آلاف المنازل من العبوات البلاستيكية.

 

لم تعد الخرسانة والركام والمعادن الناتجة عن أعمال البناء والهدم تُعامَل بوصفها مخلفات عديمة القيمة. بات يمكن فرزها ومعالجتها وإعادة استخدامها في الطرق ومشاريع البنية التحتية وأعمال الردم، ما يخفف الضغط على الموارد الطبيعية ويولّد قيمة اقتصادية جديدة من مواد كان مصيرها السابق المطامر.

 

من هنا تحديداً تبدأ فلسفة اقتصاد التدوير. لا تقوم الفكرة على إعادة التدوير فقط، بل على إبقاء المواد داخل الدورة الاقتصادية لأطول فترة ممكنة. وكلما أمكن استخدام المادة مرة إضافية أو تحويلها إلى منتج جديد، ازدادت القيمة المستخرجة منها وانخفضت الحاجة إلى استهلاك موارد جديدة.

 

تكشف الأرقام حجم ما يجري على الأرض. في أبو ظبي وحدها جرى التعامل مع نحو 8.864 ملايين طن من النفايات خلال عام 2024، فيما جرى تحويل نحو 3.038 ملايين طن بعيداً عن الطمر التقليدي، بمعدل تحويل بلغ 34 في المئة. وتستهدف الإمارة رفع معدل التحويل بعيداً عن المطامر إلى 80 في المئة ورفع معدل إعادة التدوير إلى 38 في المئة بحلول عام 2031.

 

هذه الأرقام تعني عملياً أن ملايين الأطنان من المواد التي كانت ستُدفَن في السابق أصبحت تدخل، بدرجات متفاوتة، في عمليات استرداد أو إعادة تدوير أو معالجة تسمح بالاستفادة منها مجدداً.

 

وفي دبي، يظهر هذا التحوّل في صورة مختلفة. استثمرت الإمارة التي تنتج كميات ضخمة من النفايات في واحدة من أكبر منشآت تحويل النفايات إلى طاقة في المنطقة. لقد صُمِّم مركز ورسان لتحويل النفايات إلى طاقة لمعالجة نحو 1.9 مليون طن من النفايات البلدية سنوياً، مع قدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 200 ميغاواط.

 

لكن المشروع لا يقوم على إحلال الحرق محل إعادة التدوير، بل يندرج من ضمن فكرة "استرداد الطاقة" من النفايات المتبقية التي تتعذر إعادة تدويرها أو حين لا تجدي العملية اقتصادياً. وبذلك تسعى دبي إلى تقليص الكميات المرسلة إلى المطامر واستخراج قيمة إضافية من النفايات في صورة كهرباء ومواد قابلة للاسترداد، بدلاً من الاكتفاء بالتخلص منها نهائياً.

 

أما الشارقة، فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة نموذجاً لافتاً في هذا المجال. تفيد شركة "بيئة" بأن منظومتها ساهمت في رفع معدل تحويل النفايات بعيداً عن المطامر إلى نحو 93 في المئة، وهو رقم يعكس مدى التحوّل الذي شهدته الإمارة في إدارة النفايات واسترداد الموارد.

 

وعلى الرغم من أهمية المنشآت الضخمة والتكنولوجيات الحديثة، لا تزال الحلقة الأهم في هذه المنظومة تبدأ من مكان أبسط بكثير: المنزل.

 

قطعة الورق النظيفة أكثر قيمة من قطعة الورق الملوثة ببقايا الطعام. وعبوة البلاستيك المفروزة أسهل وأقل تكلفة في المعالجة من عبوة اختلطت بمخلفات أخرى. لذلك أصبح الفرز من المصدر أحد أهم عناصر نجاح اقتصاد التدوير.

 

ولهذا السبب تنتشر في الإمارات مبادرات متعددة لتشجيع الأفراد على المشاركة في العملية. باتت الحاويات المخصصة لأنواع مختلفة من النفايات أكثر شيوعاً، فيما ظهرت برامج تعتمد على الحوافز والمكافآت لتشجيع إعادة العبوات والمواد القابلة لإعادة التدوير.

 

ومن الأمثلة على ذلك الشراكات التي أطلقتها شركات التجزئة مع شركات المشروبات والتكنولوجيا لنشر آلات الاسترداد العكسي المخصصة للعبوات البلاستيكية والمعدنية. تقوم الفكرة على منح المستهلك نقاطاً أو مكافآت عند إعادة العبوات الفارغة. وتستهدف بعض هذه البرامج جمع ما يصل إلى 1.8 مليون عبوة سنوياً، في محاولة لجعل إعادة التدوير جزءاً من السلوك اليومي لا مجرد نشاط موسمي أو استثنائي.

 

وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التفكير على كيفية إعادة تدوير النفايات، بل يمتد إلى كيفية تقليل إنتاجها من الأصل. هنا تبرز مبادرة "دبي كان"، التي ساهمت خلال ثلاث سنوات في خفض استهلاك أكثر من 30 مليون عبوة مياه بلاستيكية أحادية الاستخدام، في حين وفرت أكثر من 15 مليون لتر من مياه الشرب عبر عشرات محطات التعبئة العامة المنتشرة في أنحاء الإمارة.

 

هذه الأرقام قد تبدو مجرد إحصاءات للوهلة الأولى، لكنها تعني عملياً ملايين العبوات التي لم تُنتَج ولم تُستهلَك ولم تتحوّل لاحقاً إلى نفايات تحتاج إلى جمع أو فرز أو معالجة.

 

وإذا كان البلاستيك يحتل مساحة كبيرة من النقاش العام، ترتبط إحدى أكثر قصص إعادة التدوير إثارة للاهتمام بالأجهزة الإلكترونية التي ترافقنا يومياً. تحتوي الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة المنزلية القديمة على معادن ومواد مرتفعة القيمة يمكن استردادها وإعادة استخدامها.

 

تُظهِر بيانات أممية سابقة أن حجم النفايات الإلكترونية في الإمارات بلغ نحو 134 ألف طن سنوياً، بمعدل يقارب 17.2 كيلوغراماً للفرد. وعلى الرغم من أن هذه البيانات تعود إلى سنوات مضت، فإنها تعطي فكرة واضحة عن حجم الموارد الكامنة داخل الأجهزة التي نتخلص منها كل عام.

 

داخل جهاز حاسوب قديم أو هاتف لم يعد يعمل ثمة معادن ومواد يمكن أن تعود إلى دورة الإنتاج بدلاً من أن تُفقَد نهائياً. ولهذا أصبحت النفايات الإلكترونية واحدة من أسرع مجالات إعادة التدوير نمواً في العالم، والإمارات ليست استثناءً من هذا الاتجاه.

 

ولا تتوقف القصة عند الورق والبلاستيك والمعادن والإلكترونيات. هناك أيضاً الزيوت المستعملة، والبطاريات، والنفايات الصناعية، وبعض النفايات العضوية، ومخلفات البناء والهدم، وكلها أصبحت جزءاً من منظومة متنامية تهدف إلى استخراج أكبر قيمة ممكنة من المواد قبل اعتبارها نفايات نهائية.

 

صورة تعبيرية (أرشيفية).
صورة تعبيرية (أرشيفية).

 

لهذا السبب لم يعد الحديث عن إعادة التدوير في الإمارات حديثاً بيئياً فحسب. إنه حديث عن قطاع اقتصادي كامل. خلف كل حاوية نفايات تعمل شركات نقل وجمع، ومنشآت فرز، ومصانع معالجة وإعادة تدوير، وتكنولوجيات رقمية، واستثمارات بملايين الدراهم، ووظائف جديدة تتطلب مهارات متخصصة.

 

قد يكون التغيير الأهم هو أن النظرة إلى النفايات نفسها بدأت تتبدل. بدلاً من اعتبارها نهاية دورة الاستهلاك، أصبحت تُعامَل باعتبارها بداية دورة جديدة. وبين النظرتين فرق كبير. ترى الأولى في النفايات مشكلة يجب التخلص منها، أما الثانية فترى فيها مورداً يمكن استثماره.

 

وفي عالم يزداد فيه الضغط على الموارد الطبيعية عاماً بعد عام، قد تكون القيمة الحقيقية لبعض الأشياء ليست في استخدامها الأول، بل في الفرصة الثانية التي يمكن منحها لها بعد أن نلقيها في الحاوية.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:47:00 PM
واشنطن توسّع عقوباتها على شبكة علاء حمية المرتبطة بـ"حزب الله"