الربط السككي بين السعودية وتركيا... ممر بديل في الأزمات أم نقطة تحول في سلاسل الإمداد؟
يتجه مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا عبر الأردن وسوريا إلى ترسيخ مسارٍ تجاري ولوجستي جديد يربط الخليج بأوروبا، في ظل تنامي الحاجة إلى بدائل أكثر استقراراً للممرات البحرية المضطربة، مع ما يحمله من فرص لتعزيز التجارة والاستثمار الإقليمي.
تتجه منطقة الشرق الأوسط نحو مرحلةٍ جديدة من إعادة تشكيل مسارات النقل والتجارة، مع تصاعد الحاجة إلى بدائل أكثر مرونة في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر على الممرات البحرية الحيوية.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا عبر الأردن وسوريا باعتباره أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الإقليمية، ليس كحل لوجستي بديل فحسب، بل كمبادرة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية قد تساهم في إعادة رسم خريطة سلاسل الإمداد بين الخليج وأوروبا خلال السنوات المقبلة.
مضمون الاتفاق
وتجسيداً لهذه الرؤية، وقع وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبدالقادر أورال أوغلو، مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون في قطاعي السكك الحديد والخدمات اللوجستية لإحياء مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا مروراً بالأردن وسوريا وصولاً إلى أوروبا.
وعلى صعيد مراحل التنفيذ، أكد الوزير التركي اكتمال الربط من السعودية حتى الحدود الأردنية، وإنجاز أعمال الربط في جنوب تركيا قرب الحدود السورية، مع بقاء فجوة تُقدر بنحو 400 كيلومتر بين سوريا والأردن، إلى جانب إعداد خطةٍ تمويلية لإعادة تأهيل الأجزاء المتبقية تشمل استثماراً بنحو 100 مليون دولار لإعادة بناء خط حلب، بما يدعم استكمال الممر وتعزيز تكامل الشبكة الإقليمية.
.jpg)
وتكتسب هذه الخطوة أهميةً متزايدة في ظل اضطراب الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، خصوصاً مع ما كشفت عنه الاضطرابات الأخيرة من اعتماد كبير على هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال و30% من تجارة الأسمدة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل بنسبة تراوح بين 15% و25% بحسب تقديرات برنامج الأغذية العالمي، ما عزز التوجه نحو الممرات البرية كبديل أكثر استقراراً وأماناً لسلاسل الإمداد العالمية.
خطوة استراتيجية
وفي هذا السياق، تؤكد الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس، في تصريحات خاصة لـ"النهار"، أن التوترات الجيوسياسية المستمرة تجعل من الضروري البحث عن بدائل للنقل والتجارة تضمن تجنب أزمات سلاسل الإمداد.
وترى أن مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا عبر الأردن وسوريا يعدّ من أبرز مشاريع النقل الإقليمية المطروحة حالياً، لما يوفره من تسهيل لحركة البضائع وضمان وصول سلاسل الإمداد في مواعيدها بعيداً عن الاضطرابات المرتبطة بالممرات البحرية، إلى جانب دوره في تعزيز العلاقات الاقتصادية والديبلوماسية بين الدول المشاركة، ودعم قدرة المنطقة على مواجهة التحديات الجيوسياسية عبر بناء شراكاتٍ أكثر ترابطاً واستقراراً. كما تشير إلى أن المشروع يفتح آفاقاً لأسواقٍ جديدة ويعزز حجم الاستفادة المشتركة من حركة التجارة العالمية بما ينعكس إيجاباً على اقتصادات الدول المشاركة.
إحياء مسارٍ تاريخي
ولا يقتصر المشروع على إنشاء خط نقل جديد فحسب، بل يعيد إحياء مسارٍ تاريخي يمتد لأكثر من قرن عبر خط الحجاز الذي ربط تركيا بالسعودية مروراً بسوريا والأردن منذ عام 1908 قبل أن يتعرض للتوقف خلال الحرب العالمية الأولى.
ويأتي اليوم برؤيةٍ اقتصادية حديثة تقوم على تطوير البنية التحتية وربط الأسواق الإقليمية، مع إمكان مروره بميناء نيوم كمركز لوجستي محوري، إلى جانب ما قد يوفره مستقبلاً من تكامل مع شبكة القطار الخليجية لإنشاء ممرٍ بري متصل بين تركيا ودول الخليج.
ممر بديل أم نقطة تحول استراتيجية؟
وفي تحليلها لحجم العوائد المتوقعة من المشروع ومدى قدرته على إحداث تغييرٍ هيكلي في مسارات التجارة الإقليمية، تؤكد رمسيس أن أهمية المشروع لا تتوقف عند كونه بديلاً موقتاً في الأزمات التي قد تعطل الملاحة في مضيق هرمز أو غيره من الممرات البحرية، بل تمتد إلى دوره المحتمل في إحداث تحولٍ حقيقي في سلاسل الإمداد الإقليمية، مضيفة أن وجود خط نقل بري مستقر يساهم في استمرار تدفق البضائع والطاقة، ويدعم استقرار أسعار الطاقة، ويعزز الأمن الغذائي، ويرفع مستويات التجارة البينية بين دول المنطقة.
وتضيف أنه من الناحية الاقتصادية، يمكن المشروع أن يحول المنطقة إلى محورٍ لوجستي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، ما يوفر فرصاً استثمارية جديدة ويعزز تنافسية الصادرات ويخفض زمن الشحن وتكاليفه على المدى الطويل.
وتشير إلى أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب إجراءات عدة ممثلة في استكمال البنية التحتية، وتأمين التمويل اللازم، وتعزيز التنسيق الجمركي واللوجستي بين الدول المشاركة، إلى جانب الحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي على طول مسار المشروع. وفي حال تجاوز هذه التحديات، قد يتحول الربط من مجرد ممرٍ بديل في الأزمات إلى أحد أهم المشاريع الاستراتيجية القادرة على إعادة تشكيل حركة التجارة والنقل بين آسيا وأوروبا.
ويبقى نجاح المشروع مرهوناً بقدرة الدول المشاركة على تحويل هذه الاتفاقات إلى شبكة نقلٍ متكاملة وفعالة، ومع تزايد الحاجة العالمية إلى مسارات أكثر أماناً ومرونة، تبدو فرص هذا الممر واعدة في ترسيخ مكانة المنطقة كمركز رئيسي لحركة التجارة الدولية.
نبض