الحرب تعيد رسم الخريطة الاستثمارية في لبنان: مستثمرون يفرملون أحلامهم وآخرون يتجاهلون
لم تكن الحرب الأخيرة، وما رافقها من قصف ممنهج وتجريف للقرى وتدمير وتهجير للأسواق والمناطق التجارية والصناعية، وبالاً على الاقتصاد فحسب، بل امتد تأثيرها إلى أبعد من ذلك. فقد أصابت المستثمرين الجدد، وفرملت مشاريع واستثمارات واعدة كانت تستعد لدخول السوق، كما أوقفت مشاريع أخرى كانت قد باشرت أعمالها، فتكبد أصحابها خسائر مالية كبيرة، فيما خسر موظفوها فرص عمل كانت تنتظرهم.
أحلام استثمارية مؤجلة بانتظار الاستقرار
مدى عامين، استثمر وقته ومدخراته الشخصية لتطوير منصة عقارية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، واضعاً نصب عينيه إطلاق مشروعٍ لبناني رائد قادر على المنافسة داخل البلاد وخارجها.
لم يفكر ميسم إسماعيل صاحب شركة "Aligned" ومنصة "Alinia"يوماً في نقل فكرته إلى الخارج، رغم كل الأزمات التي مر بها لبنان. بل أقنع نفسه بأن بلده يستحق فرصة جديدة، وأن الاستثمار في التكنولوجيا قد يفتح نافذة أمل، ولو صغيرة، في اقتصاد أنهكته الأزمات المتلاحقة.
لكن، بينما كان العد التنازلي لإطلاق المنصة في الثاني من آذار قد بدأ، جاءت الحرب لتجمّد الفرصة. لم يتخلّ إسماعيل عن حلمه، لكنه اضطر إلى تأجيله، شأنه شأن مستثمرين كثر وجدوا أنفسهم أمام واقع أمني لا يسمح بالمضي قدماً، مهما بلغ إيمانهم بلبنان وبقدراته.

يقول إسماعيل، إنه أمضى نحو سنتين في تطوير المنصة العقارية، متحملاً بنفسه تكلفة بلغت نحو 80 ألف دولار. وكانت الفكرة تقوم على توفير مساعد ذكي يعمل عبر تطبيق "واتساب"، يتيح للمستخدم البحث عن شقق أو عقارات وفق معايير محددة، مستفيداً من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن الحرب جمدت المشروع قبل موعد إطلاقه. ويوضح أن "المشكلة لم تكن مرتبطة بتكلفة التشغيل أو بالبنية التقنية فقط، بل بتغير أولويات السوق العقارية نفسها. فبدلاً من البحث عن العقارات الفاخرة التي كانت المنصة تستهدفها، أصبح اهتمام الناس منصباً على إيجاد مساكن بديلة أو أماكن آمنة يلجأون إليها".
ويشير إلى أن "7 موظفين كانوا يعملون على المشروع، جرى تعليق أعمالهم موقتاً"، مضيفاً أن "المنصة صممت لتخدم أسواقاً خارج لبنان أيضاً، وأن نجاحها كان سيفرض توسيع الفريق إلى ما لا يقل عن 15 موظفاً في المرحلة الأولى".
الحرب تجمد الاستثمارات
يؤكد رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير، أن القطاع السياحي كان من أكثر القطاعات تضرراً، مشيراً إلى أن تأثير الحرب عليه بلغ نحو 90%.
ويلفت شقير إلى أن حربي 2024 و2026 أخرتا مشاريع سياحية بارزة، بينها مشروعا "فور سيزونز" و"فاندوم"، كما أن فندق "لو غراي" الذي تحدى الظروف لا يزال يعاني، شأنه شأن فنادق أخرى تشهد تراجعاً حاداً في نسب الإشغال.
ويشير إلى أن حجم الأعمال تراجع بصورة حادة، حتى إن انخفاضا بنسبة 50% خلال شهري آذار ونيسان كان يعدّ "جيداً" مقارنةً بمؤسسات أخرى فقدت ما بين 70 و80% من نشاطها. كما اضطرت شركات كبرى إلى دفع نصف الرواتب، ومنح موظفيها إجازات، وتقليص أعداد العاملين لديها.
ويضيف أن مؤتمرات ومعارض متخصصة أرجئت بالكامل، ما تسبب بخسائر لمنظميها ولقطاع الإعلانات، فيما انتقلت حفلات الزفاف الكبرى، التي كانت تدر ملايين الدولارات على الاقتصاد اللبناني، إلى مدنٍ أوروبية مثل روما وأثينا ومدن فرنسية عدة.
في المقابل، تؤكد مصادر في المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال) أن الحرب لم تؤدّ إلى توقف كامل للمشاريع الاستثمارية. فقد بلغ عدد المشاريع التي استقطبتها المؤسسة بين عامي 2024 و2026 نحو 15 مشروعاً، بقيمة إجمالية تقارب 300 مليون دولار، تركزت بصورة أساسية في قطاعي السياحة والصناعة.

ووفق المصادر عينها، واصل المستثمرون الذين كانوا قد بدأوا مشاريعهم بعيداً عن مناطق القصف أعمالهم، فيما فضّل آخرون تأجيل الانطلاق إلى حين تحسن الظروف. وتوضح أن "الحرب تركزت في مناطق محددة، بينما استمرت الحركة الاقتصادية بصورة طبيعية نسبياً في مناطق أخرى".
وتشير إلى أن بعض المشاريع السياحية والصناعية واصل طريقه، وأن فنادق جديدة لا تزال قيد الإنشاء في عدد من المناطق، كما تقدمت 3 مشاريع فندقية في الأشرفية بطلبات إلى "إيدال"، وباشر أحدها بالفعل أعمال البناء.
نبض