مركز مالي عالمي جديد في الخليج... ماذا تضيف عُمان إلى المشهد الإقليمي؟
تسعى سلطنة عُمان إلى تعزيز حضورها على خريطة الخدمات المالية الدولية عبر إطلاق مركز عُمان المالي العالمي، مستندة إلى إصلاحات اقتصادية ومالية متسارعة دعمت تنافسية بيئة الأعمال ورفعت جاذبية الاقتصاد أمام المستثمرين.
تواصل سلطنة عُمان توسيع أدواتها الاقتصادية الرامية إلى تنويع مصادر النمو وتعزيز حضورها على خريطة المال والأعمال العالمية، عبر إطلاق مركز عُمان المالي العالمي، بعدما أقر مجلس الوزراء العُماني إنشاءه استناداً إلى دراسات وتجارب عالمية وإقليمية، في خطوة تعكس طموحاً متزايداً للانتقال من الاعتماد التقليدي على الموارد النفطية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وانفتاحاً على الاستثمارات الدولية.
وتستند هذه الخطوة إلى مؤشرات اقتصادية داعمة، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي العُماني بالأسعار الثابتة بنسبة 2.4% خلال عام 2025 ليبلغ 39.3 مليار ريال عُماني مقارنة بـ38.4 مليار ريال خلال 2024، وفق بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. كما يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد بنسبة 3.5% في 2026، مدعوماً باستمرار قوة الأنشطة غير النفطية التي تساهم بنحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي.
منصة جديدة لتعزيز دور السلطنة المالي
ويمثل مركز عُمان المالي العالمي منصةً متكاملة تستهدف ترسيخ مكانة السلطنة كمركز إقليمي ودولي للخدمات المالية والاستثمارية، عبر توفير بيئة أعمالٍ جاذبة للبنوك والمؤسسات المالية العالمية وشركات إدارة الأصول وصناديق الاستثمار وشركات التكنولوجيا المالية، بما يدعم تدفق الاستثمارات ويعزز دور القطاع المالي في الاقتصاد.
ويتمتع المركز باستقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، ويعمل ضمن إطارٍ قانوني متوافق مع أفضل الممارسات الدولية، تحت إشراف مجلس إدارة برئاسة ذي يزن بن هيثم آل سعيد، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، كما يضم ثلاث هيئات مستقلة تتولى مسؤوليات التشغيل والترخيص، والتنظيم والرقابة المالية، وتسوية المنازعات، بما يعزز الشفافية وكفاءة المنظومة التنظيمية.
إصلاحات اقتصادية تمهد الطريق
وفي هذا السياق، يؤكد سامي شاوش، العضو المنتدب لشركة "جوست فاير" للاستشارات المالية، لـ"النهار"، أن إنشاء المراكز المالية العالمية يرتبط عادةً بأهداف استراتيجية تتعلق بجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع كفاءة تدفق رؤوس الأموال.
ويشير إلى أن عُمان نجحت خلال السنوات الأخيرة في تهيئة بيئة استثمارية داعمة عبر إصلاحات مالية واقتصادية، انعكست في استعادة التصنيف الائتماني ضمن الفئة الاستثمارية وخفض الدين العام إلى 36.5% بنهاية 2025، ما عزز ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، ووفر قاعدة قوية لإطلاق مشروعات استراتيجية تستهدف جذب رؤوس الأموال العالمية.
.jpg)
ماذا تضيف عُمان إلى المشهد المالي الخليجي؟
وانطلاقاً من هذه المقومات، تمتلك السلطنة مزايا تؤهلها للعب دورٍ متنامٍ في المشهد المالي في الخليج، في مقدمها موقعها الاستراتيجي عند ملتقى الخليج وشرق أفريقيا وجنوب آسيا، إلى جانب شبكة متنامية من المناطق الاقتصادية والمشروعات الكبرى، بحيث شهدت المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم أخيراً توقيع 10 اتفاقات استثمارية ومذكرات تعاون بقيمة تقارب 2.9 مليار ريال عُماني (7.5 مليارات دولار) في قطاعات الهيدروجين الأخضر والطاقة والصناعات التحويلية.
وفي هذا الإطار، يرى خبراء أن المركز الجديد لا يمثل منافساً مباشراً للمراكز المالية الخليجية القائمة، بقدر ما يشكل إضافةً مكملة توسع الخيارات الاستثمارية وتدعم تنوع الخدمات المالية في المنطقة.
ولا تقتصر انعكاسات المشروع على القطاع المالي فحسب، بل تمتد إلى دعم استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي بلغت نحو 69.4 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من عام 2024، وتعزيز جهود تنويع مصادر الدخل وزيادة مساهمة الخدمات المالية في الاقتصاد الوطني، وهو ما يتوافق مع مستهدفات "رؤية عُمان 2040" التي تراهن على قطاعات واعدة تشمل السياحة والاقتصاد الرقمي والصناعات التحويلية والتعدين والطاقة المتجددة والنقل واللوجستيات، مع استمرار الأنشطة غير النفطية كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
فرص النجاح والتحديات التنافسية
وفي هذا الإطار، يرى سامي شاوش أن فرص نجاح مركز عُمان المالي العالمي تبدو واعدة في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها السلطنة، إلا أن تحقيق مستهدفاته يتطلب الاستمرار في تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية بما يواكب أفضل الممارسات العالمية، وتبسيط الإجراءات، وتسريع عمليات الترخيص والتأسيس، وتوفير منظومة قضائية وتسوية منازعات تتمتع بالكفاءة والسرعة والشفافية.
ويضيف أن بناء ميزةٍ تنافسية مستدامة يستلزم أيضاً الترويج الفعال وإطلاق حزمة من المزايا التنافسية لاستقطاب المؤسسات المالية العالمية ومديري الأصول وشركات التكنولوجيا المالية، وتعزيز التكامل بين المركز والقطاعات الاقتصادية الواعدة في السلطنة، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات البشرية والتقنيات الرقمية والابتكار المالي.
ختاماً، يمثل مركز عُمان المالي العالمي خطوة جديدة في مسار التحول الاقتصادي الذي تنتهجه السلطنة نحو اقتصادٍ أكثر تنوعاً وانفتاحاً، ومع استمرار الإصلاحات وتعزيز البيئة الاستثمارية، تتزايد فرص عُمان لترسيخ موقعها كمركز مالي إقليمي قادر على لعب دور أكبر في حركة التمويل والاستثمار العابرة للحدود.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض