ماذا يعني تثبيت "موديز" تصنيف الإمارات عند "Aa2" لاقتصاد الدولة؟
ثبتت وكالة "موديز" العالمية للتقييمات الائتمانية التصنيف الائتماني لدولة الإمارات العربية المتحدة عند مستوى "Aa2"، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية مستقرة، كما ثبتت تصنيف الدين غير المضمون بالعملة الأجنبية وبرنامج السندات المتوسطة الأجل عند مستوى "Aa2" و"(P)Aa2" على التوالي، مُشيرةً إلى أن القرار يعكس قوة الأسس الائتمانية للدولة.
وذكرت الوكالة في أحدث تقرير لها صادر في 12 حزيران (يونيو) الجاري، أن تثبيت تصنيف الإمارات عند مستوى "Aa2"، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية مستقرة، يعكس ارتفاع متوسط الدخل للفرد في الإمارات، وامتلاكها اقتصاداً متنوعاً يدعم القدرة على امتصاص الصدمات، إلى جانب قوة المؤسسات وفاعلية صنع السياسات، بما يواكب التقدم المستمر في مسار التنويع الاقتصادي".
وأشار التقرير إلى تمتع الحكومة الاتحادية بمستوى دينٍ مخفوض للغاية.
وتقول "موديز" إن النظرة المستقرة تعكس توقعاتها بمرونة الوضع الائتماني للحكومة الاتحادية في مواجهة التوترات الإقليمية، مدعوماً بوجود مساراتٍ بديلة لتصدير النفط عبر خط حبشان - الفجيرة، الى جانب امتلاك الإمارات احتياطياتٍ مالية قوية.
ونوهت بالدعم الضمني التي تقدمه أبوظبي إلى مختلف قطاعات الدولة، باعتبارها أكبر إمارة ثرية؛ بحيث تتجاوز أصولها المالية الحكومية 300% من ناتجها المحلي الإجمالي بنهاية 2025.
وتسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مدّ خط أنابيب إضافي للمنتجات المكررة يتجاوز مضيق هرمز، ما يتيح استمرار صادرات البنزين، والديزل، ووقود الطائرات حتى في حال تعذر المرور عبر المضيق.
وفي حال تحسن الظروف، تتوقع "موديز" احتمالية عودة الإمارات إلى تسريع جهود تنويع الإيرادات غير النفطية وتعزيز جاذبية الدولة للاستثمار الأجنبي واستقطاب الكفاءات، ما يُقلل من التعرض لتقلبات أسعار النفط ومخاطر التحول الطاقي على المدى الطويل، ويدعم الوضع الائتماني العام.
ماذا يعني التصنيف؟
يقول خبير أسواق المال، هاني صبحي، لـ"النهار" إن تصنيف "Aa2" يعني أن الإمارات تقع ضمن شريحةٍ ائتمانية مرتفعة للغاية، ما يمنح الحكومة والشركات المرتبطة بها قدرةً أفضل على الاقتراض من الأسواق الدولية بتكلفةٍ أقل مقارنة بالاقتصادات الأعلى مخاطرة، كما يرسل التصنيف رسالة إلى المستثمرين بأن الدولة تمتلك قدرةً قوية على الوفاء بالتزاماتها المالية، حتى في بيئة إقليمية مضطربة.

وبالنسبة الى الاقتصاد، ينعكس ذلك في ثلاثة اتجاهات رئيسية هي، خفض علاوة المخاطر على الإصدارات السيادية وشبه السيادية، دعم ثقة المستثمرين الأجانب في الأصول الإماراتية، وتعزيز قدرة البنوك والشركات الكبرى على الوصول إلى التمويل الدولي بشروط أفضل.
ويضيف صبحي أن هذه النقطة تكتسب أهميةً خاصة في اقتصاد يعتمد على تدفقات التجارة والاستثمار والتمويل الخارجي، ويمضي في الوقت نفسه في تمويل مشاريع ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
اقتصاد متنوع يمتص الصدمات
ويقول الخبير في الأسواق المالية العربية، إن قراءة "موديز" تستند إلى أن الإمارات لم تعد اقتصاداً نفطياً صرفاً، إذ أصبح نمو القطاعات غير النفطية عاملاً رئيسياً في دعم التصنيف، بحيث نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات 6.2% في 2025، بينما ارتفع الناتج غير النفطي 6.8%، ليصل إلى نحو 1.5 تريليون درهم، وفق بيانات وكالة الأنباء الإماراتية (وام) نقلا عن مركز الإحصاء الاتحادي.
ويوضّح أن هذا الأداء يبرهن اعتقاد وكالات التصنيف أن التنويع في قطاعات التجارة، والسياحة، والخدمات المالية، والعقار، والنقل، والتكنولوجيا، بات يوفر للاقتصاد قاعدة أوسع في مواجهة تقلبات النفط.
وأشار صندوق النقد الدولي في أحدث تقييماته إلى أن اقتصاد الإمارات أظهر مرونةً أمام عدم اليقين العالمي والتوترات الإقليمية، متوقعاً نمواً قوياً مدفوعاً بالقطاع غير النفطي وارتفاع إنتاج الهيدروكربونات.
وعند دور أبوظبي في دعم قطاعات الدولة، يقول إن هذا المخزون من الأصول السيادية، إلى جانب انخفاض الدين الاتحادي، يعني أن الحكومة الاتحادية تمتلك قدرة كبيرة على التدخل عند الضرورة لدعم القطاعات الحيوية أو امتصاص صدمات خارجية، كما أن وجود كيانات استثمارية سيادية كبرى يعزز صورة الإمارات كدولةٍ ذات ميزانية عمومية قوية، حتى إذا تعرض بعض مصادر الإيرادات أو التجارة لضغوط موقتة.
كيف تستفيد الإمارات؟
يقول خبير أسواق المال العالمية ياسر غريب، إن تثبيت التصنيف يمنح الإمارات مكاسب عملية تتجاوز البعد الرمزي؛ فكلما بقي التصنيف عند مستوياتٍ مرتفعة، تراجعت تكلفة المخاطر المرتبطة بالإصدارات السيادية وشبه السيادية، وتحسنت قدرة البنوك والشركات الإماراتية على الاقتراض أو إعادة التمويل، كما يدعم ذلك جاذبية الدولة كمركزٍ إقليمي للشركات العالمية، خصوصاً في قطاعات التمويل، والتجارة، واللوجستيات، والتكنولوجيا.
ويضيف أن التصنيف المرتفع يعزز قدرة الحكومة الاتحادية على تنفيذ خططها الاقتصادية من دون ضغوط تمويلية كبيرة، فإذا احتاجت الدولة إلى زيادة الإنفاق على البنية التحتية أو الطاقة أو الدفاع أو سلاسل الإمداد، فإنها تستطيع الوصول إلى الأسواق من موقع قوة، كذلك يمنح التصنيف المستثمرين الأجانب إشارة الى أن بيئة السياسات مستقرة وقابلة للتنبؤ، وهي نقطة محورية في قرارات الاستثمار الطويل الأجل.
ماذا تقول الوكالات الأخرى؟
تتفق وكالات التصنيف الكبرى على وضع الإمارات ضمن الفئة الائتمانية المرتفعة، فقد ثبتت "ستاندرد آند بورز" في آذار (مارس) 2026 تصنيف الإمارات السيادي الطويل والقصير الأجل بالعملتين المحلية والأجنبية، عند "AA/A-1+" مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرة إلى قوة المركزين المالي والخارجي ومرونة السياسات في مواجهة التوترات الإقليمية.
وثبتت "فيتش" في أيار (مايو) 2026 تصنيف الإمارات عند "AA-" مع نظرةٍ مستقبلية مستقرة، مستندة إلى انخفاض الدين الحكومي الموحد، وقوة صافي الأصول الخارجية، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل، وتظل درجة "فيتش" أدنى بدرجة واحدة من تقييمات "موديز" و"ستاندرد آند بورز"، لكنها لا تزال ضمن الفئة الائتمانية العالية.
وتحتفظ الإمارات حالياً بتصنيفاتٍ سيادية قوية من الوكالات الثلاث الكبرى، وهي "Aa2" مع نظرة مستقرة من "موديز"، و"AA/A-1+" مع نظرة مستقرة من "ستاندرد آند بورز"، و"AA-" مع نظرة مستقرة من "فيتش".
ويرى الخبراء أن هذا الإجماع يعكس ثقة واسعة بقدرة الدولة على إدارة الصدمات، لكنه يضع في الوقت نفسه معياراً واضحاً لأي تحسن مستقبلي يعتمد على ثلاثة معايير، هي مزيد من تنويع الإيرادات غير النفطية، وتراجع المخاطر الجيوسياسية، واستمرار قوة المالية العامة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
قصة "محروك إصبعه" التي تعكس تجارب الفقر والصعوبات التي عاشها كاظم الساهر في طفولته.
نبض