بين 40 مليار دولار و"لا أثر إحصائي": جدل الأرقام حول كأس العالم 2026
تتباين توقعات الأثر الاقتصادي لكأس العالم 2026 تبايناً حاداً بين دراسة رسمية لـ"فيفا" تتوقع 40.9 مليار دولار، وبحث لـ"غولدمان ساكس" يقول إن الأثر على الناتج المحلي تاريخياً "لا يختلف إحصائياً عن الصفر".
مع انطلاق كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية في 11 حزيران/يونيو، يعود الجدل حول القيمة الاقتصادية الحقيقية لاستضافة أكبر حدث كروي في العالم، وسط تباين واضح بين التقديرات الرسمية والدراسات الاقتصادية المستقلة.
وتُقام النسخة المقبلة من البطولة بمشاركة 48 منتخباً و104 مباريات موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لتكون الأكبر في تاريخ كأس العالم.

لكن مذكرة بحثية صادرة عن اقتصاديي "غولدمان ساكس إنترناشونال" كيفن دالي ومامبونا نجي في 3 حزيران/يونيو، خلصت إلى أن استضافة كأس العالم تحقق أثراً إيجابياً محدوداً على النشاط الاقتصادي، لكنه يبقى غير ذي دلالة إحصائية، فيما يقترب الأثر الطويل الأجل على الناتج المحلي الإجمالي من الصفر.
واستندت الدراسة إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي لجميع بطولات كأس العالم منذ عام 1982، لتخلص إلى أن المكاسب الاقتصادية الكلية للدول المضيفة غالباً ما تكون أقل بكثير من التوقعات المعلنة قبل البطولة.
في المقابل، توقعت دراسة مشتركة أصدرها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومنظمة التجارة العالمية في نيسان/أبريل 2025، وأعدّتها شركة الاستشارات OpenEconomics، أن تضيف البطولة نحو 17.2 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، مع ناتج اقتصادي إجمالي يبلغ 30.5 مليار دولار، إضافة إلى ما يعادل 185 ألف وظيفة بدوام كامل في الولايات المتحدة وحدها، و824 ألف وظيفة على المستوى العالمي.
وقدّرت الدراسة مساهمة اقتصادية إجمالية تبلغ 40.9 مليار دولار عبر الدول الثلاث المستضيفة لكأس العالم 2026.
لماذا تختلف التقديرات؟
يرجع جزء من الفجوة بين التقديرات إلى اختلاف المنهجيات المستخدمة.
فدراسة "فيفا" ومنظمة التجارة العالمية تعتمد نماذج اقتصادية تستشرف التأثيرات المباشرة وغير المباشرة والمحفِّزة للنشاط الاقتصادي، وهي منهجية شائعة في قياس أثر الفعاليات الكبرى.
لكن "غولدمان ساكس" يرى أن هذه النماذج لا تأخذ في الاعتبار عدداً من القيود الهيكلية.
أول هذه القيود أن معظم المشاهدين المتوقعين للبطولة، والبالغ عددهم نحو خمسة مليارات شخص حول العالم، لن يسافروا إلى الدول المستضيفة. وبالتالي فإن إنفاقهم على المنتجات المرتبطة بالبطولة، مثل الملابس الرياضية أو المشروبات، يُسجَّل في اقتصاداتهم المحلية لا في اقتصادات الدول المضيفة.
أما العامل الثاني فيتمثل في ما يُعرف بـ"أثر الإحلال"، حيث قد يحلّ الإنفاق المرتبط بالبطولة محل إنفاق كان سيحدث في قطاعات أخرى داخل الاقتصاد نفسه، بدلاً من أن يمثل طلباً جديداً بالكامل.
والعامل الثالث أن أي زيادة مؤقتة في الإنفاق خلال فترة البطولة غالباً ما تتراجع بعد انتهائها مع عودة أنماط الاستهلاك إلى مستوياتها الطبيعية.
وتشير الدراسة إلى عامل إضافي مرتبط بنسخة 2026 تحديداً، يتمثل في ضخامة اقتصادات الدول المستضيفة. فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك تمثل مجتمعة نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يجعل تأثير حدث تجاري بحجم كأس العالم أقل وضوحاً مقارنةً بدول أصغر حجماً.
وتوضح الأرقام هذه النقطة؛ إذ إن مساهمة متوقعة بقيمة 17.2 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي تمثل نحو 0.05% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، البالغ 31.856 تريليون دولار في الربع الأول من 2026، وفق بيانات ستاتيستا (Statista) استناداً إلى أرقام مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي (BEA).
ونقل تقرير لمجلة "نيوزويك" عن فيكتور ماثيسون، أستاذ اقتصاديات الرياضة في كلية "هولي كروس"، قوله إن الأثر الاقتصادي الفعلي للبطولة في الولايات المتحدة قد يكون أقل بكثير من التقديرات المعلنة، مشيراً إلى أن العديد من دراسات ما قبل البطولات تميل إلى تجاهل تأثير إحلال الإنفاق وتراجع أعداد الزوار التقليديين بسبب الازدحام وارتفاع الأسعار.

مؤشرات مبكرة على تباطؤ الطلب
تشير بعض البيانات التشغيلية الأولية إلى أن الطلب قد يكون دون التوقعات.
فقد أظهر استطلاع أجرته الجمعية الأميركية لصناعة الفنادق والإقامة (AHLA) أن 80% من الفنادق المشاركة في المسح سجّلت حجوزات أقل من التوقعات السابقة.
وأظهرت بيانات موقع TicketData.com، بحسب "نيوزويك"، استمرار توفر عشرات الآلاف من التذاكر قبل انطلاق البطولة، فيما أثار حذف كميات من التذاكر بشكل مفاجئ من منصة "فيفا" الرسمية تساؤلات حول مستويات الطلب الفعلية.
المستفيدون الحقيقيون
لا تنفي مذكرة "غولدمان ساكس" وجود مكاسب اقتصادية وتجارية من البطولة، لكنها ترى أن المستفيدين الرئيسيين قد يكونون شركاتٍ وقطاعاتٍ محددة أكثر من الاقتصادات الوطنية.
ومن بين القطاعات المرشحة للاستفادة شركات المشروبات، والملابس الرياضية، وتجارة التجزئة، والفنادق، وشركات الطيران.
وتشمل القائمة شركات مثل "أديداس" (Adidas) و"بوما" (Puma) و"نايكي" (Nike)، إلى جانب سلاسل الفنادق الكبرى ومنصات الإقامة السياحية.
وترى الدراسة أن جزءاً مهماً من الأرباح المرتبطة بحقوق البث والرعاية وسلاسل التوريد العالمية يتسرب إلى شركات متعددة الجنسيات خارج الدول المستضيفة، ما يقلل من الأثر المباشر على الناتج المحلي لهذه الدول. وبهذا المعنى، تنظر الدراسة إلى كأس العالم باعتبارها منصة تجارية عالمية أكثر منها محركاً للنموّ الاقتصادي الوطني.

اقتصاد رياضي يتوسّع عالمياً
يأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه أهمية القطاع الرياضي عالمياً.
فبحسب تقرير "Sports for People and Planet"، يحقق الاقتصاد الرياضي إيرادات سنوية تبلغ نحو 2.3 تريليون دولار حالياً، مع توقعات بارتفاعها إلى 3.7 تريليون دولار بحلول 2030 ثم إلى 8.8 تريليون دولار بحلول 2050.
ويستند هذا النموّ إلى أربعة قطاعات رئيسية تشمل الرياضة الاحترافية، والأنشطة الرياضية المجتمعية، والسلع الرياضية، والسياحة الرياضية.
لكن التقرير يحذر في الوقت نفسه من مخاطر متزايدة تهدد نمو القطاع على المدى الطويل، تشمل تراجع النشاط البدني بين الشباب وتداعيات التغير المناخي والظواهر الجوية المتطرفة، التي قد تؤدي إلى خسائر سنوية تصل إلى 1.6 تريليون دولار بحلول 2050 إذا لم تتم معالجتها.
ورغم الجدل حول الأثر الاقتصادي المباشر لكأس العالم، يرى اقتصاديون أن هناك منافع يصعب قياسها بالأرقام، مثل تعزيز الصورة الدولية للدول المستضيفة، وترسيخ الهوية الوطنية، وزيادة الحضور العالمي للمدن المستضيفة.
لكن حتى الآن، تشير الأدلة التاريخية التي استعرضتها مذكرة "غولدمان ساكس" إلى أن عبء إثبات المكاسب الاقتصادية التحويلية لا يزال يقع على عاتق المؤيدين لهذه الفرضية، لا المشككين فيها.
خمس حقائق رئيسية
• كأس العالم 2026 ستكون الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً وإقامة 104 مباريات
• دراسة "فيفا" ومنظمة التجارة العالمية تتوقع مساهمة قدرها 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي للدول الثلاث المستضيفة لكأس العالم 2026، و824 ألف وظيفة عالمياً.
• "غولدمان ساكس" يرى أن أثر استضافة كأس العالم على الناتج المحلي الإجمالي تاريخياً محدود وغير ذي دلالة إحصائية
• المساهمة المتوقعة للبطولة في الاقتصاد الأميركي تعادل نحو 0.05% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.
• الاقتصاد الرياضي العالمي يحقق حالياً إيرادات سنوية بنحو 2.3 تريليون دولار، مع توقعات بارتفاعها إلى 8.8 تريليون دولار بحلول 2050.
نبض