اكتتابات الذكاء الاصطناعي العملاقة تقترب: أين يدخل المستثمر... وأين يتريث؟
في كل دورة صعود كبرى في "وول ستريت"، تأتي لحظة يتوقف فيها المستثمر عن السؤال: ما الشركة الجيدة؟ ويبدأ بسؤال أكثر حساسية: ما التوقيت الجيد؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه الآن مع الأسماء التي تتحضر لدخول السوق العامة، من "سبيس إكس" إلى "أنثروبيك" و"أوبن أيه آي". الحديث لم يعد عن شركات ناشئة تريد تمويلاً إضافياً، إنما عن كيانات قد تدخل السوق بتقييمات تقترب من تريليون دولار أو تتجاوزه، في لحظة يعيش فيها المستثمرون أصلاً على هوس الذكاء الاصطناعي، وعلى خوف موازٍ من أن يكونوا قد وصلوا متأخرين.
المفارقة أن تاريخ الاكتتابات التكنولوجية الضخمة لا يمنح الداخلين باكراً كثيراً من الطمأنينة. تظهر دراسة على 30 اكتتاباً تقنياً كبيراً خلال 15 سنة أن متوسط أكبر هبوط في السنة الأولى بلغ 55%، وأن العوائد بعد ستة أشهر مالت إلى السلبية أيضاً. هذا لا يعني أن الشركات الكبرى تفشل، إنما يعني أن الطريق بين الجرس الأول والسعر العادل يكون غالباً أكثر قسوة مما يوحي به ضجيج الطرح.
أحجام غير مسبوقة... وشهية قد تكون مقلقة
"سبيس إكس" وحدها تسعى إلى جمع 75 مليار دولار في ما قد يكون أكبر اكتتاب أولي في التاريخ، عند تقييم يلامس 1.8 تريليون دولار. "أنثروبيك" وصلت في جولات خاصة إلى 965 مليار دولار، و"أوبن أيه آي" عند 852 ملياراً، وفق تقييمات تمويلها.

ثلاث شركات فقط، وكل واحدة منها قد تدخل السوق بحجم يضعها عملياً في نادي الأسماء الأثقل وزناً في المؤشرات الأميركية، في وقت لا يوجد فيه داخل مؤشر S&P 500 سوى 11 شركة تجاوزت قيمتها السوقية تريليون دولار. هذا الحجم وحده يشرح لماذا تبدو الاكتتابات المقبلة مختلفة عن المقارنات الجاهزة مع ما سبقها. هي ليست طروحات كبيرة فقط، إنما طروحات ستأخذ مساحة من المؤشرات، ومن السيولة، ومن انتباه المستثمرين الأفراد دفعةً واحدة.
وهنا يبدأ القلق الحقيقي، لأن السوق لا تستقبل هذه الشركات في فراغ، إنما في لحظة صار فيها الذكاء الاصطناعي القصة الأكبر في البورصة الأميركية كلها. الإنفاق الرأسمالي الضخم من "غوغل" و"ميتا" و"أمازون" و"مايكروسوفت" رفع شهية المستثمرين لقطاعات تمتد من الرقائق إلى الطاقة والبناء. ومع هذا المزاج، يبدو من السهل جداً أن تتحول الاكتتابات الجديدة إلى حدث نفسي أكثر من كونها قراراً استثمارياً منضبطاً. إن سبيس إكس هي أكثر اكتتاب مثير للاهتمام ومقلق قليلاً من زاوية إدارة المخاطر. وقد تختصر المناخ السائد من سيولة واسعة، وشهية عالية، وقلق لا يختفي.
المشكلة ليست في الشركة... إنما في يوم الشراء
إن المستثمر لا يحتاج دائماً إلى شراء السهم في اليوم الأول كي يربح من قصة الشركة على المدى الطويل. هذا درس قديم، لكنه يعود الآن بقوة لأن السوق تتعامل مع الاكتتابات المقبلة كما لو أنها فرص لا تتكرر، حيث إن المستثمر لم يكن مضطراً إلى شراء غوغل أو فايسبوك يوم الطرح كي يحقق مكاسب كبيرة لاحقاً. أحياناً، يكون القرار الأذكى هو ترك النشوة الأولى تمر، ثم العودة إلى السهم بعد ستة أشهر أو سنة، عندما تكون الضوضاء أقل، والصورة أوضح، والسعر أكثر صدقاً مع الواقع.
هذا الكلام ليس تنظيراً بارداً. فايسبوك، الذي صار اليوم ميتا، دخل السوق في 2012 ببداية مرتبكة. السهم سُعّر عند 38 دولاراً، فتح قرب 42 دولاراً، ثم أنهى اليوم الأول شبه ثابت، وهو أمر غير معتاد في اكتتاب بهذا الحجم. بعد ذلك، خسر أكثر من 30% خلال أول 12 شهراً قبل أن يدخل لاحقاً في واحدة من أكبر قصص الصعود في السوق، إذ ارتفع بأكثر من 1,400% منذ سعر الاكتتاب. الرسالة هنا واضحة: الشركة العظيمة لا تعني أن يوم الطرح هو أفضل يوم للشراء.

"تسلا" تقدم نسخة أخرى من القصة نفسها. السهم قفز 41% في أول يوم تداول بعد الاكتتاب في 2010، ثم دخل في مسار متقلب جداً، وتداول المعنيّون دون سعر الاكتتاب في بعض المراحل؛ ورغم أنه كان مرتفعاً 18% بعد 12 شهراً، فقد كان ما يزال يتحرك دون قمته السابقة، ودون أداء S&P 500 في بعض الفترات. مع ذلك، انتهى الأمر إلى صعود تجاوز الـ 25,000% منذ الاكتتاب. هذا النوع من المسارات يقول شيئاً بسيطاً: السوق قد تمنحك الشركة الصحيحة، لكنها لا تمنحك دائماً توقيتاً سهلاً.
كورويف تذكير حيّ بأن النشوة لا تلغي التقلب
إذا كان أحد يريد مثالاً أقرب زمنياً، فـCoreWeave تكفي. الشركة ارتفع سهمها بأكثر من 150% منذ اكتتاب مارس 2025، لكن الطريق لم تكن مستقيمة على الإطلاق. الطرح نفسه تقلّص قبل الإدراج، واضطرت إنفيديا إلى دعمه، ثم افتتح السهم دون سعر الاكتتاب البالغ 40 دولاراً، وأغلق عند المستوى نفسه، قبل أن ينطلق لاحقاً ويقفز بأكثر من 400% إلى قمة قياسية في يونيو 2025، ثم يفقد نصف هذه المكاسب تقريباً. حتى بعد كل ذلك، بقي السهم منخفضاً 44% عن ذروته. الصورة هنا مفيدة جداً لأنها حديثة، ولأنها تشبه في شيء منها ما قد يحصل مع الاكتتابات الجديدة: شغف كبير، ارتفاعات حادة، ثم تقلبات تجعل الداخل عند اللحظة الخاطئة يدفع ثمن الحماسة سريعاً.
هل تعيد السوق إنتاج أواخر التسعينيات؟
هنا، يجب أن نستخضر ذاكرة أقدم وأكثر حساسية: أواخر التسعينيات. وقتها، اندفعت شركات الإنترنت إلى السوق العامة وسط شهية مفتوحة لكل ما يحمل عنوان التكنولوجيا، ثم انتهت تلك المرحلة بموجة مبيعات لاحقة عندما بدأت فترات الحظر تنتهي، وفتح الموظفون والمستثمرون الأوائل الباب أمام ضخ كميات كبيرة من الأسهم إلى السوق. هذا التغير في معادلة العرض والطلب كان جزءاً من قصة الانفجار اللاحق، وهو ما يجعل البعض اليوم يتساءل إن كانت السوق تقترب من نسخة حديثة من تلك الدورة، لكن هذه المرة تحت عنوان الذكاء الاصطناعي لا الإنترنت.
القلق هنا ليس في أن الشركات المقبلة هشّة مثل أسماء أواخر التسعينيات. بالعكس، الشركات التي تستعدّ للإدراج اليوم أكبر وأثقل مالياً وتقنياً بكثير. لكن ضخّ اكتتابات هائلة في فترة قصيرة، مع اهتمام غير عادي من المستثمرين الأفراد، ومع فترات حظر تنتهي لاحقاً، قد يخلق موجة بيع مؤجلة تضرب السوق في توقيت تكون فيه المعنويات أصلاً شديدة الحساسية.
الرهان ليس على الشركة فقط... إنما على الانضباط
لهذا، تبدو اللحظة الحالية مغرية وخطرة في آنٍ واحد. سبيس إكس، أنثروبيك، وأوبن أيه آي ليست شركات عادية، وحجمها وتأثيرها قد يجعلان المقارنات التاريخية أقل فائدة مما كانت عليه مع اكتتابات سابقة. لكن هذا لا يلغي الدرس الأهم: الجودة طويلة الأجل للشركة لا تضمن أن الشراء المبكر سيكون موفقاً. أحياناً يكون السعر في اليوم الأول هو الأكثر امتلاءً بالحلم، والأبعد عن الانضباط. وأحياناً يحتاج المستثمر إلى أن يفصل بين رغبته في امتلاك القصة، وبين استعجاله في امتلاكها من أول دقيقة.
ربما لهذا لا يبدو السؤال الذكي الآن: أي من هذه الشركات سيصبح عملاقاً حقيقياً؟ السؤال الأذكى هو: من يملك الصبر كي يربح من هذه الشركات من دون أن يدفع ثمن الحماسة في أول الطريق؟ هذا هو الامتحان الفعلي الذي ستفرضه اكتتابات الذكاء الاصطناعي الكبرى على السوق. وهي، كما يبدو، لن تختبر فقط شهية المستثمرين للمستقبل، وإنما قدرتهم أيضاً على انتظار التوقيت الصحيح.
نبض