إغلاق مضيق هرمز وباب المندب: بين خنق الطاقة وخنق التجارة

اقتصاد وأعمال 09-06-2026 | 12:52

إغلاق مضيق هرمز وباب المندب: بين خنق الطاقة وخنق التجارة

هرمز هو الأخطر منفرداً، لأنه يمس سوق الطاقة. أما باب المندب فأقل وزناً نفطياً، لكنه يصبح شديد الخطورة عندما يتحول البحر الأحمر إلى الممر البديل للصادرات الخليجية.

إغلاق مضيق هرمز وباب المندب: بين خنق الطاقة وخنق التجارة
تدخّل الحوثيين يفتح الباب أمام احتمال انتقال المواجهة إلى مضيق باب المندب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

إذا كان مضيق هرمز "صمام النفط والغاز" في الخليج، فإن باب المندب هو "بوابة التجارة" بين آسيا وأوروبا. لذلك، لا يعني إغلاقهما الأمر نفسه اقتصادياً، وإن كانا يقعان في قلب الأزمة الجيوسياسية نفسها. الفارق الأساسي أن هرمز يضرب إمدادات الطاقة مباشرة، فيما يضرب باب المندب كلفة النقل وسلاسل الإمداد، وقد يتحوّل إلى ضربة نفطية أكبر إذا أقفل مع استمرار إقفال مضيق هرمز.

 

ماذا يمر بباب المندب؟

 

يمرّ عبر هرمز نفط السعودية والكويت والعراق والإمارات وقطر وإيران، إضافة إلى جزء بالغ الأهمية من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ مرور النفط والمنتجات النفطية عبر هرمز نحو 20,9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، أي أكثر من ربع تجارة النفط البحرية عالمياً ونحو خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية. كما مرّ عبره نحو 11,4 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال، أي أكثر من 20% من تجارة الغاز المسال العالمية. لذلك، فإن إغلاق هرمز لا يرفع كلفة النقل فقط، بل يسحب كميات ضخمة من السوق، ويصيب آسيا أولاً: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية هي الوجهات الأبرز لهذه الشحنات.

أما باب المندب، الواقع بين اليمن وجيبوتي وإريتريا، فيربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو جزء من طريق قناة السويس. قبل تصاعد هجمات الحوثيين، كان معبراً حيوياً للنفط المتجه من الخليج إلى أوروبا وأميركا، وللحاويات بين آسيا وأوروبا. لكن حجمه النفطي أقل كثيراً من هرمز. تُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة أن مرور النفط عبر باب المندب بلغ 9,3 ملايين برميل يومياً في 2023، ثم هبط إلى 4,1 ملايين في 2024، و4,2 ملايين في النصف الأول من 2025، بعدما حوّلت شركات كثيرة سفنها حول رأس الرجاء الصالح.

الأهمية الأكبر لباب المندب هي في التجارة العامة. قبل الأزمة، كان ممر البحر الأحمر/قناة السويس/باب المندب يحمل نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، وفق البنك الدولي. وهذا يشمل سلعاً كثيرة، أبرزها الإلكترونيات والهواتف وقطع الغيار من آسيا إلى أوروبا، والملابس والمنسوجات والأثاث، والآلات والمعدات الصناعية، والسيارات وقطع السيارات، والمواد الغذائية والحبوب والزيوت والسلع الاستهلاكية، والمواد الكيميائية والأسمدة والبلاستيك ومدخلات الإنتاج.

 

كيف يكون لكل ممر أزمته الخاصة؟

 

هنا يظهر الفرق الجوهري: إغلاق هرمز يعني أزمة عرض في الطاقة، أما إغلاق باب المندب فيعني غالباً أزمة مسارات وكلفة وتأخير. السفينة التي تتجنب باب المندب وقناة السويس تستطيع الالتفاف حول جنوب أفريقيا، لكنها تدفع ثمناً أعلى بالوقود والتأمين والوقت. أما السفينة التي تريد الخروج من الخليج عبر هرمز فلا تملك بديلاً بحرياً حقيقياً إلا إذا كانت الدولة المصدّرة تملك خط أنابيب يتجاوز المضيق.

السعودية بنت منذ سنوات خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر. في 2026، أعلنت السعودية استعادة الطاقة الكاملة للخط عند نحو 7 ملايين برميل يومياً، اي نحو 70% من صادراتها اليومية المعتادة.  عملياً، لا تتحول كل هذه الكمية إلى صادرات مباشرة، لأن جزءاً منها يذهب إلى مصافي ومرافق غرب المملكة، لكن الخط يمنح الرياض هامش مناورة، حولته إلى سمة إضافية من خلال إنشاء شبكة نقل برية، تربط دولاً خليجية محتلفة بالبحر الأحمر. لكن، إذا أُغلق باب المندب أيضاً أو تعرضت موانئ البحر الأحمر لهجمات، يصبح هذا البديل نفسه تحت النار.

 

قوارب صيد يمنية على الساحل اليمني لمضيق باب المندب الاستراتيجي. (أ ف ب)
قوارب صيد يمنية على الساحل اليمني لمضيق باب المندب الاستراتيجي. (أ ف ب)

 

لهذا السبب، إغلاق باب المندب بعد إغلاق هرمز أخطر من إغلاقه منفرداً. في أزمة البحر الأحمر بين 2023 و2025، كانت صادرات الخليج قادرة على عبور هرمز، وكانت المشكلة الأساسية أن السفن تتجنب البحر الأحمر وتدور حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. أما اليوم، مع استمرار هرمز متعطلاً، يصبح البحر الأحمر ليس مجرد طريق تجاري، بل شرياناً بديلاً لتصدير النفط السعودي. عندها، لا يعود باب المندب تفصيلاً لوجستياً، بل يتحول إلى عقدة طاقة ثانية.

 

ما الفارق في الأثر الاقتصادي؟

 

الأثر في الأسواق يختلف أيضاً. ينعكس هرمز فوراً على أسعار النفط والغاز، لأن السوق تخشى نقصاً مادياً في الإمدادات. أي تراجع كبير في صادرات الخليج يرفع علاوة المخاطر على خام برنت، ويدفع الدول المستوردة، خصوصاً في آسيا، إلى السحب من المخزونات أو البحث عن بدائل أغلى من الولايات المتحدة وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية. كما يضغط على أسواق الغاز المسال، لأن قطر لا تستطيع تصدير غازها المسال من دون المرور عبر هرمز.

باب المندب، في المقابل، يضرب الحاويات والتجارة العامة أكثر: يشير البنك الدولي، في حديثه عن أزمة البحر الأحمر، إلى أن المسار عبر السويس وباب المندب كان يحمل نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية، وأن حركة السفن عبر السويس وباب المندب هبطت بشدة مع توسع الهجمات. كما ارتفعت كلفة الشحن، وتأثرت مواعيد التسليم، وازدادت الضغوط على الشركات الأوروبية والآسيوية. أما "أونكتاد" فحذّرت من أن إطالة الرحلات حول رأس الرجاء الصالح ترفع كلفة الوقود والتأمين والانبعاثات، وتضغط خصوصاً على الدول الفقيرة والمستوردة للغذاء.

اقتصادياً، يهدد مضيق هرمز التضخم عبر الطاقة، فيما يهدده باب المندب من خلال النقل والسلع. الأول يرفع سعر البرميل والغاز والكهرباء والوقود، والثاني يرفع كلفة الحاوية، ويؤخر السلع الوسيطة والمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية. لذلك، ربما يكون أثر هرمز أسرع وأعنف في أسواق النفط، بينما أثر باب المندب أوسع في التجارة اليومية، وأزمة سلاسل التوريد.

أخيراً، هرمز هو المضيق الأخطر منفرداً لأنه يمس قلب سوق الطاقة العالمية. أما باب المندب فهو أقل وزناً نفطياً، لكنه يصبح شديد الخطورة عندما يتحول البحر الأحمر إلى الممر البديل للصادرات الخليجية. في هذه الحالة، لا يعود العالم أمام أزمة مضيق واحد، بل أمام حصار مزدوج: هرمز يخنق الخليج من الشرق، وباب المندب يخنق مخرجه البديل من الغرب. عندها، تصبح الأزمة أكبر من ارتفاع أسعار النفط؛ تصبح اختباراً لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمّل صدمة طاقة وشحن سلعي في وقت واحد.

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.