هل تهدد أنظمة المدفوعات المتعددة النموذج الأميركي للدفع بالبطاقة الإئتمانية؟
في العالم أنظمة كثيرة شبيهة بنظام "بيكس" البرازيلي الذي تحاربه واشنطن. فما هي؟ وكيف تعمل؟ وهل تهدد فعلياً نظام المدفوعات الأميركي؟
في البرازيل نظام مدفوعات خاص، هو نظام "بيكس" (PIX) الذي تحاول الولايات المتحدة التضييق عليه. لكنه ليس حالة معزولة، بل هو جزء من موجة عالمية اسمها أنظمة الدفع الفوري: تحويلات بين حسابين مصرفيين تتم خلال ثوانٍ، غالباً عبر رقم هاتف أو رمز QR أو هوية رقمية، وبكلفة شبه صفرية.
الفارق أن "بيكس" صار سياسياً لأنه ناجح جداً، وتديره الدولة البرازيلية عبر البنك المركزي، ويهيمن على جزء من سوق البطاقات وشبكات الدفع التقليدية مثل "فيزا" و"ماستركارد". لذلك، فتحت الممثّلية التجارية الأميركية في تموز/يوليو 2025 تحقيقاً ضمن Section 301 في ممارسات البرازيل الرقمية والدفع الإلكتروني، بينما تقول "أسوشيتد برس" إن الاعتراض الأميركي يتركز على أن "بيكس" يخلق منافسة غير عادلة للشبكات الأميركية التقليدية.

ما هي الأنظمة الشبيهة بـ "بيكس"؟
الهند: UPI
• أقرب نموذج إلى "بيكس" من حيث الشعبية
• تديره National Payments Corporation of India تحت إشراف البنك المركزي الهندي
• يسمح بالدفع الفوري بين حسابين مصرفيين عبر تطبيقات مثل PhonePe وGoogle Pay وBHIM، باستخدام رقم هاتف أو عنوان دفع افتراضي أو رمز QR
• في أيار/مايو 2026، وصلت معاملات UPI إلى نحو 23.2 مليار عملية بقيمة تقارب 359 مليار دولار تقريباً
تايلاند: PromptPay
• نظام دفع فوري مرتبط بالهاتف أو رقم الهوية أو الحساب المصرفي
• في آذار/مارس 2026، سجّل نحو 2.54 مليار عملية بقيمة 150.3 مليار دولار تقريباً
• مهم لأنه لا يغيّر فقط طريقة الدفع داخل تايلاند، بل دخل أيضاً في ربط عابر للحدود مع أنظمة في جنوب شرق آسيا
سنغافورة (PayNow) وماليزيا (DuitNow) وإندونيسيا (QRIS/BI-FAST)
أنظمة تعمل بالمنطق نفسه: تحويل فوري من حساب إلى حساب، غالباً عبر الهاتف أو رمز QR. أهميتها ليست في السوق المحلية فقط، بل في الربط بين الأسواق. فسنغافورة وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا والفلبين أصبحت جزءاً من تجربة أوسع لربط أنظمة الدفع الفوري آسيوياً.
أوروبا: SEPA Instant / TIPS
في منطقة اليورو، الدفع الفوري يتم عبر SEPA Instant Credit Transfer، حيث تصل الأموال إلى حساب المستفيد خلال 10 ثوانٍ، والخدمة متاحة 24/7. كما اعتمد الاتحاد الأوروبي في آذار/مارس 2024 تنظيماً جديداً يفرض على مزودي خدمات الدفع الذين يقدمون التحويلات العادية أن يقدموا أيضاً التحويلات الفورية، وأن لا تكون رسومها أعلى من التحويلات العادية.
بريطانيا: Faster Payments
• من أقدم النماذج الناجحة
• يسمح بتحويلات شبه فورية بين الحسابات المصرفية
• أقل شعبية من بيكس لأنه لم يتحول إلى رمز سيادي أو سياسي
الولايات المتحدة نفسها: FedNow وRTP
• لأميركا أيضاً أنظمة دفع فوري
• يتيح FedNow، الذي أطلقه الاحتياطي الفدرالي، للبنوك والاتحادات الائتمانية إرسال واستقبال الأموال خلال ثوانٍ، على مدار الساعة
• ما زال أقل انتشاراً شعبياً من "بيكس" لأن اعتماده من المؤسسات المالية طوعي، ولأن السوق الأميركي مليء ببدائل خاصة (Zelle وVenmo وPayPal وشبكات البطاقات)
نماذج أخرى
سويسرا (TWINT)، السويد (Swish)، إسبانيا (Bizum)، أستراليا (NPP)، نيجيريا (NIBSS Instant Payments)، المكسيك (SPEI وCoDi)، والصين لديها منظومة مختلفة يقودها القطاع الخاص عبر Alipay وWeChat Pay، إلى جانب بنى دفع مصرفية ورقمية أوسع.
كيف تعمل هذه الأنظمة؟
الفكرة بسيطة لكنها قوية: بدلاً من أن يمر الدفع عبر بطاقة، تاجر، بنك مُصدر، بنك مُحصّل، شبكة بطاقات، رسوم تبادل، وتسوية مؤجلة، يحصل تحويل مباشر تقريباً من حساب الدافع إلى حساب المستفيد.
الطريقة بسيطة فعلياً: يفتح المستخدم تطبيق البنك أو المحفظة، يمسح رمز QR أو يدخل رقم هاتف أو معرف دفع، يوافق على العملية برمز سري أو بصمة، ثم تُرسل الرسالة عبر بنية دفع وطنية فورية. خلال ثوانٍ، يتم التحقق من الحسابات، تنفيذ التحويل، وإتاحة المال فوراً للمستفيد. بحسب بنك التسويات الدولية (BIS)، أنظمة الدفع الفوري تعني معالجة مدفوعات التجزئة بسرعة بحيث تصبح الأموال متاحة فوراً للمستفيد، وتشمل البنية التحتية، ومزودي خدمات الدفع، وقواعد التشغيل والتسوية.

القوة هنا ليست تقنية فحسب، بل اقتصادية جداً. هذه الأنظمة تخفف رسوم التجار، تقلل الاعتماد على النقد، تسهل دخول غير المتعاملين مع البنوك إلى الاقتصاد الرقمي، وتمنح الدولة رؤية أكبر لحركة المدفوعات. في البرازيل مثلاً، يقول البنك المركزي إن "بيكس" يستخدمه أكثر من 170 مليون شخص طبيعي، أي نحو 80% من السكان، وسجل أكثر من 7 مليارات عملية في كانون الثاني/يناير 2026، مع رقم قياسي يومي تجاوز 313 مليون عملية في 5 كانون الأول/ديسمبر 2025.
هل تهدد هذه الأنظمة نظام المدفوعات الأميركي؟
التهديد المباشر يقع على شركات البطاقات وشبكات الدفع التقليدية. عندما يستطيع التاجر في البرازيل أو الهند أن يقبض فوراً عبر "بيكس" أو "UPI" بكلفة أقل كثيراً من بطاقة ائتمان، فهذا يقلل الحاجة إلى "فيزا" و"ماستركارد" و"أميركان إكسبرس" في المدفوعات المحلية الصغيرة والمتوسطة. لذلك يصبح الخلاف تجارياً: من يملك "سكة الدفع"؟ الدولة؟ البنوك المحلية؟ أم الشبكات الأميركية العالمية؟
لكن هذه الأنظمة لا تُسقط الدولار تلقائياً، لأنها تعمل غالباً بالعملة المحلية وداخل الحدود الوطنية. "بيكس" ينقل الريال البرازيلي، وUPI ينقل الروبية، وPromptPay ينقل البات، وSEPA Instant ينقل اليورو. ما دامت التجارة العالمية، تسعير النفط، الديون، الاحتياطيات، وأسواق رأس المال مرتبطة بالدولار، فإن تهديد هذه الأنظمة للدولار يبقى غير مباشر.
أين يصبح التهديد أكبر؟
يصبح الخطر أكبر عندما تُربط هذه الأنظمة ببعضها عبر الحدود. هنا تدخل مشاريع مثل BIS Project Nexus، الذي يهدف إلى ربط أنظمة الدفع الفوري المحلية بحيث تصل التحويلات العابرة للحدود خلال أقل من 60 ثانية في معظم الحالات، وبكلفة منخفضة، من دون أن تضطر كل دولة إلى بناء ربط ثنائي منفصل مع كل دولة أخرى. لأكثر من 70 دولة اليوم مدفوعات محلية تصل خلال ثوانٍ وبكلفة قريبة من الصفر، وربط هذه الشبكات قد يسرّع نمو المدفوعات العابرة للحدود.
هنا تتحول المسألة من "دفع قهوة عبر رمز QR" إلى بنية مالية بديلة: عامل في سنغافورة يرسل مالاً إلى الهند فوراً، شركة في تايلاند تدفع لمورد في ماليزيا مباشرة، وسائح يدفع في إندونيسيا من تطبيق بلده. إذا توسع هذا النموذج، قد يقل الاعتماد على البنوك المراسلة، وعلى بعض قنوات SWIFT، وعلى جزء من البنية التي تمنح واشنطن نفوذاً مالياً كبيراً.

هل ينهار النموذج الأميركي؟
قد لا تؤدي هذه العمليات وحدها إلى انهيار النموذج الأميركي، لكنها تسرّع تآكل احتكاره. فالنموذج الأميركي يقوم على ثلاثة أعمدة: الدولار كعملة احتياط وتسعير وتمويل، وعمق الأسواق المالية الأميركية، وسيطرة شركات وشبكات أميركية على أجزاء كبيرة من المدفوعات العالمية. أنظمة مثل "بيكس" وUPI تضرب العمود الثالث أكثر من الأول والثاني. هي تقول للعالم: لسنا مضطرين أن ندفع رسوماً لشبكات أميركية كي نشتري الخبز أو ندفع فاتورة أو نرسل راتباً.
إن "انهيار النموذج الأميركي" يحتاج أكثر من أنظمة دفع فوري: يحتاج بديلاً آمناً وعميقاً للدولار، أسواق سندات بحجم السوق الأميركية، ثقة قانونية ومؤسسية، سيولة ضخمة، حرية حركة رأس المال، وقدرة على إدارة الأزمات. لا الهند ولا البرازيل ولا الصين ولا أوروبا تملك منفردة كل هذه العناصر بالدرجة التي تزيح الدولار سريعاً.
نبض