العراق: طباعة 25 تريليون دينار وتحذيرات من "كارثة مالية"
تسليط الضوء على تداعيات طباعة 25 تريليون دينار في العراق وتأثيرها على الاقتصاد والمالية العامة، مع دعوات للإصلاحات العاجلة.
أثار ما كشفه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين عن لجوء العراق إلى طباعة نحو 25 تريليون دينار لمواجهة الضغوط المالية، موجةً واسعة من القلق والتساؤلات حول واقع الاقتصاد العراقي ومستقبل الاستقرار المالي في البلاد. وتزامنت تصريحات الوزير مع تحذير من أن استمرار الأوضاع الاقتصادية الحالية، مقروناً بتراجع الإيرادات النفطية، قد يدفع العراق نحو "كارثة مالية".
يأتي ذلك في ظل إيقاف الصادرات النفطية العراقية بسبب إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب في المنطقة، وتزايد الالتزامات المالية للدولة، وارتفاع مستويات الإنفاق العام، ما يجعل أي انخفاض مستمر في الإيرادات النفطية عاملاً مباشراً في تعميق العجز المالي وزيادة الضغوط على الخزينة العامة.
يرى خبراء اقتصاديون أن اللجوء إلى طباعة كميات كبيرة من العملة المحلية من دون نمو حقيقي في الإنتاج أو احتياطيات داعمة قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية معقدة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للمواطنين وزيادة الضغوط على سعر صرف الدينار، فضلاً عن التأثيرات المحتملة على ثقة المستثمرين والأسواق المحلية. كما أن استمرار الاعتماد على الحلول النقدية الموقتة لمعالجة الاختلالات المالية قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي منذ سنوات.
نموذج هش
يقول الخبير في الشأن الاقتصادي والمالي ناصر الكناني، لـ"النهار"، إن ما كشفه حسين بشأن طباعة نحو 25 تريليون دينار لمواجهة الضغوط المالية "مؤشر خطير على حجم التحديات التي تواجه المالية العامة للدولة، واستمرار الاعتماد على هذا الخيار قد يفاقم الأوضاع الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة".
ويبيّن الكناني أن "اللجوء إلى طباعة كمياتٍ كبيرة من العملة المحلية يعدّ إجراء استثنائياً تلجأ إليه الحكومات عادة في ظروف مالية صعبة، وضخ سيولة نقدية إضافية في الأسواق من دون وجود زيادة حقيقية في الإنتاج أو الإيرادات قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين".

ويضيف: " لا يزال الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على الإيرادات النفطية، وأي تراجع مستمر في هذه الإيرادات سيؤدي إلى اتساع العجز المالي وزيادة الضغوط على الموازنة العامة، والتحذيرات الرسمية من احتمال الوصول إلى كارثة مالية ينبغي التعامل معها بجدية كبيرة"، مشدداً على أن على الحكومة "تبني إجراءاتٍ إصلاحية عاجلة تشمل تنويع مصادر الدخل، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز القطاعات الإنتاجية غير النفطية، بما يساهم في تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لتمويل الدولة، كما أن معالجة الأزمة المالية لا يمكن أن تعتمد على الحلول النقدية الموقتة فقط، بل تتطلب رؤية اقتصادية شاملة وإصلاحات هيكلية قادرة على تعزيز الاستدامة المالية وحماية الاقتصاد الوطني من الصدمات الخارجية".
وتسلط تصريحات حسين الضوء مجدداً على هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على الريع النفطي، إذ لا تزال الموازنة العراقية تعتمد بصورة أساسية على عائدات تصدير النفط التي تشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة. ومع أي تراجع في الأسعار أو كميات التصدير، تتسع فجوة التمويل وتزداد المخاوف من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ما يضع صناع القرار أمام تحدياتٍ صعبة تتطلب إصلاحات اقتصادية ومالية عميقة تتجاوز الحلول الآنية والموقتة.
تحرك عاجل
يقول عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي عزيز شريف لـ"النهار" إن المالية النيابية ستتحرك بشكل عاجل لمتابعة هذه المسألة، والوقوف على حقيقة الإجراءات المتخذة من الجهات الحكومية المختصة، ومدى انعكاساتها المحتملة على الواقع الاقتصادي والمالي في البلاد. ويضيف: "ستطلب اللجنة المالية إيضاحات رسمية من الجهات المعنية بشأن تفاصيل هذا الملف، وآليات إدارة السياسة النقدية والمالية، والتأكد من عدم وجود إجراءات قد تؤثر سلباً على الاستقرار الاقتصادي أو القوة الشرائية للمواطنين"، متابعاً أن مجلس النواب يمارس دوره الرقابي في متابعة جميع الملفات المالية ذات التأثير المباشر على الاقتصاد الوطني، واللجنة ستعقد سلسلة اجتماعات مع المسؤولين والخبراء المختصين لتقييم الوضع بشكل دقيق وتحديد حجم المخاطر المحتملة".
ويؤكد شريف أن على أي خطوة تتعلق بزيادة الكتلة النقدية أو إدارة الموارد المالية للدولة أن تخضع للدراسة والتقييم وفق أسسٍ اقتصادية واضحة، بما يحافظ على استقرار العملة الوطنية ويمنع حدوث تداعيات قد تنعكس على مستويات الأسعار أو الأوضاع المعيشية للمواطنين، "واللجنة المالية حريصة على ضمان سلامة الإجراءات الحكومية المتخذة لمواجهة التحديات الاقتصادية الحالية".
نبض