إنفاق مونديالي ضخم في المغرب: ملاعب كبرى وطموح عالمي... لكن الكلفة تثير أسئلة
يقف المغرب أمام فرصة استثنائية ومخاطرة كبيرة في الوقت نفسه. فالملاعب الكبرى قد تمنحه مكانة عالمية وتدفع اقتصاده السياحي والرياضي إلى مستوى جديد، لكن الفاتورة ستكون تحت المجهر
يمضي المغرب بسرعة في واحد من أكبر برامج الإنفاق الرياضي والبنيوي في تاريخه الحديث، استعداداً لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال. فالرهان لم يعد يقتصر على تنظيم مباريات في بطولة كروية عالمية، بل تحوّل إلى مشروع وطني واسع لإعادة رسم صورة المغرب كقوة رياضية وسياحية واستثمارية صاعدة بين أفريقيا وأوروبا.
وبحسب ما يطرحه تقرير AGBI بعنوان "الأعلام الحمراء والملاعب الكبرى" في الإنفاق المغربي على كأس العالم، فإن الحماسة الرسمية والشعبية حول المونديال تصطدم بسؤال أساسي: هل يمكن للمغرب أن يحوّل هذا الإنفاق الضخم إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، أم أن البلاد قد تجد نفسها أمام بنية تحتية فاخرة بتكلفة مرتفعة وعائد غير مضمون؟
استعدادات ضخمة لمونديال 2030
تأكدت استضافة المغرب وإسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030 رسمياً عبر كونغرس استثنائي لـ"فيفا"، مع إقامة ثلاث مباريات احتفالية في الأرجنتين والباراغواي والأوروغواي بمناسبة مئوية أول مونديال عام 1930. وهذا يعني أن المغرب سيكون أول بلد في شمال أفريقيا يشارك في تنظيم كأس العالم، وثاني بلد أفريقي يرتبط باستضافة البطولة بعد جنوب أفريقيا 2010.
في قلب هذا المشروع يقف ملعب الحسن الثاني قرب الدار البيضاء، الذي تسعى الرباط إلى تقديمه كأيقونة مونديالية قادرة على منافسة أكبر الملاعب في العالم. وتخطط السلطات لإنجازه بحلول نهاية 2027، بسعة تبلغ 115 ألف متفرج، ما قد يجعله أكبر ملعب كرة قدم في العالم، في وقت لا يزال الـ "فيفا" لم يحسم بعد ملعب نهائي مونديال 2030 بين المغرب وإسبانيا. وقال مسؤول عن المشروع لـ"رويترز" إن الملعب كان منجزاً بنسبة تقارب الـ 30% بعد تسعة أشهر من بدء البناء، فيما بلغت نسبة إنجاز المدرجات نحو 40%، مع العمل على مدار الساعة بثلاث ورديات.

ملعب الحسن الثاني... أيقونة كروية بكلفة مرتفعة
تقدّر كلفة الملعب ومرافقه المرتبطة بنحو مليار دولار، وهو رقم كبير حتى بمعايير بطولات كأس العالم، خصوصاً أنه لا يشمل وحده كل الإنفاق المطلوب على الطرق والسكك الحديدية والمطارات والفنادق والمرافق الحضرية. وتخطط السلطات لربط موقع الملعب، المقام على مساحة واسعة بين أراضٍ زراعية وغابات في بنسليمان، في الدار البيضاء والرباط، عبر طرق سريعة ومحطة قطار جديدة.
ولا يقف الإنفاق عند الدار البيضاء. فالمدن المرشحة لاستضافة مباريات المونديال، ومنها الرباط وطنجة وفاس ومراكش وأغادير، تحتاج إلى تحديث أو توسعة ملاعبها، وتحسين شبكة النقل، ورفع الطاقة الفندقية، وتطوير الخدمات اللوجستية والأمنية. وقد اختبر المغرب جزءاً من جاهزيته عبر كأس الأمم الأفريقية. لكن كأس العالم يبقى اختباراً أكبر بكثير، ليس فقط في عدد المباريات والجماهير، بل في مستوى التدقيق العالمي والمعايير التشغيلية التي يفرضها الـ "فيفا".
المدافعون عن هذا الإنفاق يرون فيه فرصة تاريخية لتسريع مشاريع كان المغرب يحتاج إليها أصلاً. فالملاعب الجديدة أو المجددة يمكن أن تدعم السياحة الرياضية، والطرق والقطارات والمطارات ستخدم الاقتصاد بعد انتهاء البطولة، كما أن استضافة حدث بهذا الحجم تمنح البلاد دعاية عالمية لا يمكن شراؤها بسهولة. ويستند هذا الرأي إلى تجربة المغرب في بناء صورة سياحية مستقرّة نسبياً، وفي تعزيز موقعه كبوابة بين أوروبا وأفريقيا.
أسئلة الكلفة والجدوى بعد انتهاء البطولة
لكن "الأعلام الحمراء" تبدأ من نقطة الكلفة. فقد حذرت تقارير اقتصادية من أن موجة المشاريع الكبرى المرتبطة بالمونديال قد تفرض ضغطاً على المالية العامة إذا لم تُدَر بكفاءة. ووفق تقديرات نشرتها "هسبريس"، نقلاً عن تحذيرات مرتبطة بصندوق النقد الدولي، فقد يصل إجمالي الإنفاق المرتبط بمشاريع كأس العالم بين 2024 و2030 إلى نحو 190 مليار درهم مغربي، أي قرابة 19 مليار دولار، بما يعادل نحو 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الأرقام تجعل السؤال الاجتماعي حاضراً بقوة. فالمغرب شهد في الأشهر الماضية احتجاجات شبابية طالبت بتحسين الخدمات العامة، ولا سيما التعليم والصحة. وقالت وزيرة المالية نادية فتاح علوي إن موازنة 2026 ستعيد ترتيب الأولويات لصالح الصحة والتعليم وتقليص الفوارق الجهوية، مشيرة إلى أن الإنفاق على هذين القطاعين يقلّ قليلاً عن 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن هنا، لا يرتبط الجدل بمعارضة المونديال بحد ذاته، بل بكيفية توزيع الموارد. فبناء ملعب عملاق قد يكون إنجازاً رمزياً وسياحياً، لكنه قد يتحول إلى عبء سياسي إذا شعر المواطنون بأن الدولة تنفق على الواجهات الدولية أكثر مما تنفق على المستشفيات والمدارس وفرص العمل. وهذا التوتر ليس جديداً في تجارب استضافة البطولات الكبرى؛ فقد واجهت دول كثيرة انتقادات مشابهة بسبب "ملاعب الفيلة البيضاء"، أي منشآت ضخمة وجميلة لكنها قليلة الاستخدام بعد نهاية الحدث.
ومع ذلك، تبدو الرباط واعية لأهمية ربط الإنفاق المونديالي بمشاريع تنموية أوسع. فاختيار المغرب لاستضافة مباريات كأس العالم يأتي بعد سنوات من الاستثمار في السكك الحديدية، والموانئ، والطرق، والطاقة المتجددة، والسياحة. وإذا نجح في تحويل المونديال إلى منصة لتطوير المدن لا إلى مجرد مهرجان رياضي قصير، فقد تصبح الكلفة جزءاً من خطة تحديث أوسع، لا عبئاً منفصلاً على المالية العامة.
مكاسب سياحية واستثمارية محتملة
اقتصادياً، قد يستفيد المغرب من ثلاث قنوات رئيسية: ارتفاع عائدات السياحة قبل البطولة وخلالها وبعدها، جذب استثمارات في الفنادق والخدمات والنقل، وتعزيز صورة البلاد كمركز إقليمي قادر على تنظيم الأحداث الكبرى. لكن هذه المكاسب لن تأتي تلقائياً. فهي تحتاج إلى إدارة صارمة للعقود، وشفافية في الإنفاق، وضمان ألا تتركز الاستثمارات في المدن الكبرى وحدها لصالح امتدادها إلى المناطق الأقل حظاً.
أما رياضياً، فإن تنظيم المونديال يأتي في لحظة صعود للكرة المغربية بعد إنجاز المنتخب في كأس العالم 2022 حين بلغ نصف النهائي، في أول إنجاز من نوعه لمنتخب أفريقي. هذا النجاح خلق زخماً شعبياً هائلاً، لكنه رفع سقف التوقعات أيضاً؛ وهو ما أشار إليه تقرير لـ"رويترز" عن الضغط الكبير الواقع على المنتخب المغربي في الاستحقاقات المقبلة.
في الخلاصة، يقف المغرب أمام فرصة استثنائية ومخاطرة كبيرة في الوقت نفسه. فالملاعب الكبرى قد تمنحه مكانة عالمية وتدفع اقتصاده السياحي والرياضي إلى مستوى جديد، لكن الفاتورة ستكون تحت المجهر. والنجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بعدد المقاعد في ملعب الحسن الثاني أو بصورة النهائي إذا أُقيم في الدار البيضاء، بل بقدرة المغرب على أن يثبت أن كأس العالم لم تكن حفلة مكلفة عابرة، بل استثماراً مدروساً في بنية تحتية تخدم المواطنين بعد أن يغادر المشجعون.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض