هل "اعترف" صندوق النّقد بأن الأزمة المصرفيّة في لبنان هي أزمة نظاميّة؟

منبر 08-06-2026 | 13:27

هل "اعترف" صندوق النّقد بأن الأزمة المصرفيّة في لبنان هي أزمة نظاميّة؟

أشارت تقارير المادة الرابعة (Article IV Staff Reports) المتعاقبة إلى أن لبنان يواجه أزمة مالية ومصرفية ونقدية غير مسبوقة، وأن القطاع المصرفي تكبد خسائر ضخمة تستوجب إعادة هيكلة شاملة
هل "اعترف" صندوق النّقد بأن الأزمة المصرفيّة في لبنان هي أزمة نظاميّة؟
Smaller Bigger

الدكتور علي عودة

 

أثار صدور ورقة العمل الأخيرة لصندوق النقد الدولي بعنوان “Systemic Banking Crises Database: 1970-2025” التي أعدها الاقتصاديان المشهوران Luc Laeven و Fabian Valencia، اهتماماً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والمالية اللبنانية، لا سيما بعدما استند إليها عدد من المصرفيين والخبراء والمهتمين بالشأن المالي للتأكيد أن الأزمة المصرفية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019 تُصنَّف ضمن فئة "الأزمات المصرفية النظامية". وقد اُعتبر إدراج لبنان ضمن هذه القاعدة العالمية كتأكيد إضافي من صندوق النقد الدولي لطبيعة الأزمة وحجمها.

ولا شك بأن الورقة تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة مؤلفًيها، اللذين يُعدّان من أبرز الباحثين الدوليين في مجال الأزمات المصرفية والمالية، وإلى أن قاعدة البيانات التي يطوّرانها منذ سنوات أصبحت مرجعاً أساسياً للباحثين والمؤسسات الدولية وصنّاع السياسات حول العالم. إلا أن أهمية الورقة لا تعفي من ضرورة قراءتها ضمن سياقها الصحيح، وفهم طبيعتها العلمية والأكاديمية، والتمييز بين ما تقوله فعلاً وما قد يُنسب إليها من استنتاجات تتجاوز أهدافها البحثية. تهدف الورقة إلى تحديث قاعدة بيانات عالمية توثق الأزمات المصرفية النظامية خلال الفترة الممتدة من عام 1970 وحتى عام 2025. وتعتمد منهجية محددة لتحديد ما إذا كانت الأزمة المصرفية تُعد "نظامية"، وذلك استناداً إلى مجموعة من المؤشرات المتعلقة بحجم الاضطرابات التي تصيب القطاع المصرفي، ومستوى التدخلات الاستثنائية التي تلجأ إليها السلطات النقدية والمالية لمعالجة الأزمة أو الحد من تداعياتها.

 

 

أما في ما يتعلق بلبنان، فتدرج الورقة الأزمة اللبنانية التي بدأت في تشرين الأول 2019 ضمن قائمة الأزمات المصرفية النظامية، وتذكر أن لبنان شهد أيضاً أزمة مصرفية سابقة في بداية التسعينيات. وتُظهر البيانات الخاصة بلبنان أن أزمة 2019 ارتبطت بـ"عُطلة مصرفية" وقيود فعلية على السحوبات، وأن الخسائر في الناتج كانت من بين الأعلى في العينة، إذ تقدّر الورقة خسائر الناتج المحلي الإجمالي التراكمية بنحو 133.5%. كما تشير، استناداً إلى تقرير المادة الرابعة لعام 2023، إلى أن الخسائر الإجمالية في النظام المالي قُدّرت بنحو 70 مليار دولار، أي بما يتجاوز 300% من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر لعام 2022.

 

هذه المعطيات ليست جديدة بالكامل، لكنها تكتسب أهمية إضافية لأنها ترد ضمن قاعدة بيانات دولية تقارن بين التجربة اللبنانية وتجارب عشرات الدول التي شهدت أزمات مصرفية خلال العقود الماضية. ومن هذه الزاوية، فإن إدراج لبنان ضمن قاعدة البيانات يمثل حكماً أكاديمياً بأن الأزمة اللبنانية تستوفي المعايير التي اعتمدها الباحثان لتعريف الأزمة المصرفية النظامية. غير أن أهمية هذا الاستنتاج لا ينبغي أن تحجب حقيقة أساسية تتعلق بطبيعة الوثيقة نفسها. فهذه الدراسة هي ورقة عمل بحثية صادرة ضمن سلسلة أوراق العمل التابعة لصندوق النقد الدولي، وليست تقريراً رسمياً من تقارير المادة الرابعة، أو وثيقة برنامج تمويلي، أو تقرير مساعدة فنية يعكس موقفاً مؤسساتياً للصندوق.

 

وهذا التمييز ليس مسألة شكلية أو إجرائية، بل عنصر أساسي في فهم دلالات الوثيقة. فالأوراق البحثية تهدف إلى تطوير المعرفة العلمية وتوفير أدوات تحليلية للباحثين وصناع القرار، بينما تمثل التقارير الرسمية الموقف المؤسسي للصندوق تجاه بلد معين أو قضية محددة. ومن هنا، فإن إدراج لبنان ضمن قاعدة البيانات لا ينبغي تفسيره باعتباره "شهادة رسمية" أو "إقراراً سياسياً" من صندوق النقد، بل باعتباره نتيجة بحثية تستند إلى منهجية أكاديمية مطبقة على جميع الدول المشمولة بالدراسة.

 

ولفهم الصورة فهماً أشمل، من المفيد العودة إلى الوثائق الرسمية التي أصدرها صندوق النقد الدولي بشأن لبنان خلال السنوات الماضية. فمنذ بداية الأزمة، استخدمت تقارير الصندوق تعابير شديدة الوضوح لوصف حجم الانهيار الذي أصاب الاقتصاد اللبناني والقطاع المالي.

 

فقد أشارت تقارير المادة الرابعة (Article IV Staff Reports) المتعاقبة إلى أن لبنان يواجه أزمة مالية ومصرفية ونقدية غير مسبوقة، وأن القطاع المصرفي تكبد خسائر ضخمة تستوجب إعادة هيكلة شاملة (مع الإشارة الى أنه في خلاصة بعثة المادة الرابعة لعام 2019، حذّر الصندوق من تعاظم الترابط بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان، ومن اعتماد مصرف لبنان على عمليات مالية غير تقليدية جذبت الودائع الدولارية بكلفة مرتفعة، ومن ارتفاع انكشاف المصارف على الدولة ومصرف لبنان إلى مستويات شديدة الخطورة، ولكن لم يكن ذلك توصيفاً للأزمة كنظامية حينها، بل تحذيراً من هشاشة بنيوية كانت تتراكم داخل النظام المالي). كما شددت تلك التقارير المتعاقبة على ضرورة الاعتراف بالخسائر، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ووضع استراتيجية متكاملة لاستعادة الاستقرار المالي. وفي الواقع، فإن حجم الخسائر، وتعطل وظائف الوساطة المالية، والقيود الواسعة على الودائع، والتأثير العميق للأزمة على الاقتصاد الكلي، كلها مؤشرات دفعت العديد من المؤسسات الدولية والخبراء إلى التعامل معها باعتبارها أزمة شاملة تتجاوز حدود المصارف الفردية أو مشكلات السيولة المؤقتة.

 

إلا أن هذا التوصيف، على أهميته، لا يحسم بحد ذاته النقاشات المرتبطة بخيارات المعالجة أو توزيع الخسائر أو الإصلاحات المطلوبة، وهي قضايا تناولتها تقارير الصندوق الرسمية في سياق مختلف وأكثر تفصيلاً. لذلك، فإن القيمة الحقيقية للوثيقة المذكورة لا تكمن في كونها تمنح وصفاً جديداً للأزمة اللبنانية، بل في أنها تضع هذه الأزمة ضمن إطار مقارن عالمي يسمح بفهم حجمها وخصائصها مقارنة بأزمات مصرفية أخرى شهدها العالم خلال العقود الماضية. وهي بذلك تضيف بعداً بحثياً مهماً للنقاش الدائر حول الأزمة، من دون أن تحسم طبيعتها، ومن دون أن تحل محل الوثائق الرسمية أو المواقف المؤسسية الصادرة عن صندوق النقد الدولي.

في المحصلة، يمكن القول إن الورقة تقدم دليلاً إضافياً إلى عمق الأزمة المصرفية اللبنانية واتساع نطاقها، وتؤكد أن ما شهده لبنان منذ عام 2019 يتوافق مع المعايير التي يعتمدها الباحثون لتعريف الأزمات المصرفية النظامية. غير أن القراءة الهادئة والمتوازنة للوثيقة يقتضي النظر إليها بوصفها دراسة بحثية ذات قيمة علمية عالية جداً، لا باعتبارها بياناً سياسياً أو حكماً مؤسساتياً نهائياً. كما أن الأهم من الجدل حول التوصيف يبقى التركيز على كيفية الخروج من الأزمة، واستعادة الثقة بالنظام المالي، ووضع الأسس اللازمة لإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على أداء دوره في دعم الاقتصاد اللبناني خلال المرحلة المقبلة

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.