عندما تخاف شركات التأمين من الذكاء الاصطناعي: ولادة اقتصاد جديد للمخاطر
في السنوات الأخيرة، شهد العالم تحولاً جذرياً في طريقة عمل المؤسسات والشركات نتيجة التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد انتقلت هذه التقنيات خلال فترة زمنية قصيرة من كونها أدوات تجريبية أو تطبيقات محدودة الاستخدام إلى مكونات أساسية في عمليات الأعمال واتخاذ القرار داخل المؤسسات. وقد اندفعت الشركات في مختلف القطاعات نحو تبني هذه التقنيات بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بالرغبة في رفع الإنتاجية، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع عمليات التحليل واتخاذ القرار.
غير أن هذا التسارع اللافت في تبني الذكاء الاصطناعي كشف عن تحديات جديدة لم تكن حاضرة بالوضوح نفسه قبل سنوات قليلة. فبينما ركزت معظم النقاشات في البداية على القدرات التقنية لهذه الأنظمة وإمكاناتها الاقتصادية، بدأت الأنظار تتجه اليوم نحو قضية أكثر تعقيداً تتمثل في المسؤولية القانونية والاقتصادية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. فالسؤال لم يعد يتعلق بما يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به، بل بمن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ، أو يتسبب بضرر، أو يتخذ قراراً يؤدي إلى نتائج قانونية أو مالية غير متوقعة.
وصلت هذه الإشكالية اليوم إلى قطاع التأمين الأميركي، الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه المخاطر المستقبلية. فشركات التأمين تعتمد في جوهر عملها على تقييم المخاطر وتسعيرها وإدارتها، ولذلك غالباً ما تكون من أوائل الجهات التي تلتقط التحولات الكبرى في البيئة الاقتصادية والتكنولوجية. ومع تزايد النزاعات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، بدأت شركات تأمين كبرى بإعادة النظر في طبيعة التغطيات التي تقدمها للمؤسسات التي تعتمد على هذه التقنيات.
ووفقاً لتقارير متخصصة، ارتفعت الدعاوى القضائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في الولايات المتحدة بنسبة تقارب 978% بين عامي 2021 و2025، وهو رقم يعكس حجم التحول الذي يشهده هذا المجال. وقد دفع ذلك شركات تأمين كبرى مثل Berkshire Hathaway وChubb وTravelers إلى طلب استثناء الأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من بعض وثائق التأمين التجارية التقليدية.
ولا يعني هذا التوجه أن شركات التأمين أصبحت معارضة للذكاء الاصطناعي أو متشائمة بشأن مستقبله، بل إنه يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة المخاطر الجديدة التي يفرضها استخدام هذه الأنظمة. فالسوق بدأت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد أداة تقنية مساعدة؛ إذ أصبح في كثير من الحالات طرفاً مؤثراً في عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فعندما يرتكب موظف داخل شركة خطأً مهنياً أو إدارياً، يمكن عادة تحديد المسؤولية القانونية بصورة واضحة، سواء كانت على الفرد أو المؤسسة. أما عندما يصدر القرار عن نموذج ذكاء اصطناعي يعتمد على بيانات معقدة وخوارزميات يصعب تفسيرها بشكل كامل، فإن تحديد المسؤولية يصبح أكثر تعقيداً. من يتحمل الضرر في هذه الحالة؟ هل هي المؤسسة التي استخدمت النظام؟ أم الشركة المطورة للنموذج؟ أم مزود الخدمة التقنية؟ أم أن المسؤولية موزعة بين أطراف متعددة؟
هذه الأسئلة لم تعد افتراضية أو أكاديمية فحسب، بل أصبحت مرتبطة بقضايا واقعية تشهدها المحاكم والهيئات التنظيمية. وتشمل هذه القضايا التمييز في عمليات التوظيف، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وتسريب البيانات الحساسة، إضافة إلى اتخاذ قرارات مالية أو إدارية خاطئة استناداً إلى مخرجات خوارزمية غير مفهومة بالكامل حتى من قبل بعض مطوريها.
وتشير تقارير قانونية متخصصة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الموارد البشرية قد يعرّض المؤسسات لدعاوى تتعلق بالتمييز والتحيز الخوارزمي، خصوصاً عندما يتم تدريب النماذج على بيانات تاريخية غير متوازنة أو تحمل أنماطاً من التحيز المتراكم عبر الزمن. وفي مثل هذه الحالات، قد تقوم الأنظمة بإعادة إنتاج التحيزات الموجودة في البيانات دون قصد، ما يخلق مخاطر قانونية وأخلاقية كبيرة للمؤسسات التي تعتمد عليها.
كما حذرت دراسات قانونية حديثة من التوسع غير المنظم في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بسبب التحديات المرتبطة بحقوق النشر والملكية الفكرية وحماية الخصوصية والمساءلة القانونية. وتزداد هذه المخاوف مع توسع استخدام النماذج التوليدية في إنتاج المحتوى وتحليل البيانات واتخاذ التوصيات التي قد تؤثر بشكل مباشر في الأفراد والأسواق.
وإذا نظرنا إلى التطور التاريخي للتكنولوجيا، نجد أن ما يحدث اليوم يشبه إلى حد كبير ما حدث مع الإنترنت خلال التسعينيات. ففي تلك المرحلة بدأت شركات التأمين باستثناء المخاطر الإلكترونية من وثائق التأمين التقليدية بسبب صعوبة تقييمها، قبل أن يؤدي ذلك لاحقاً إلى ظهور قطاع جديد بالكامل يُعرف اليوم بالتأمين السيبراني، والذي أصبح صناعة قائمة بذاتها تقدر بمليارات الدولارات.
ومن المرجح أن يتكرر السيناريو ذاته مع الذكاء الاصطناعي. فنحن أمام ولادة سوق جديدة يمكن وصفها بـ«اقتصاد مخاطر الذكاء الاصطناعي»، وهو سوق يتوقع أن يشمل خدمات متخصصة في التأمين على المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتدقيق الخوارزميات، وتقييم الامتثال التنظيمي، وقياس مستويات الشفافية والموثوقية داخل الأنظمة الذكية.
وقد بدأت بالفعل بعض الشركات الناشئة بالدخول إلى هذا المجال، حيث تسعى إلى تقديم وثائق تأمين متخصصة تغطي الأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل التحديات الحالية إلى فرص اقتصادية جديدة.
لكن القضية في جوهرها لا تتعلق بالتأمين فقط، بل بطريقة إدارة المؤسسات للتحول الرقمي بشكل عام. فالمشكلة الأعمق تكمن في أن العديد من المؤسسات تبنت الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرتها على فهم مخاطره أو بناء الأطر التنظيمية اللازمة لإدارته. واليوم تستخدم بعض المؤسسات أنظمة ذكاء اصطناعي في التوظيف والتسعير وخدمة العملاء وتحليل المخاطر واتخاذ التوصيات الاستراتيجية، دون وجود سياسات حوكمة واضحة أو آليات مراجعة بشرية فعالة.
وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«موظف غير مرئي» داخل المؤسسة، يشارك في اتخاذ قرارات مؤثرة من دون إطار قانوني وتنظيمي ناضج يحدد حدود صلاحياته وآليات مساءلته.
لذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد سباق نحو تبني الذكاء الاصطناعي، بل سباقاً نحو بناء أنظمة حوكمة وتشريعات وممارسات مؤسسية قادرة على ضمان استخدامه بصورة مسؤولة وآمنة. فالقيمة الحقيقية لن تتحقق من خلال الاستخدام المكثف للتقنية وحده، بل من خلال القدرة على إدارتها ضمن إطار متوازن يجمع بين الابتكار والامتثال والشفافية.
وفي هذا السياق، فإن الدول والمؤسسات التي ستنجح في المستقبل ليست بالضرورة تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر من غيرها، بل تلك التي تستطيع بناء توازن مستدام بين الابتكار التقني، والحماية القانونية، والرقابة الأخلاقية، وإدارة المخاطر. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح قضية اقتصادية وقانونية وسيادية ستؤثر بصورة مباشرة في تنافسية المؤسسات واقتصادات الدول خلال السنوات المقبلة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شارك الثنائي لحظات من فرحتهما...
نبض