بين الصمود والمخاطر: كيف يرى صندوق النقد الاقتصاد السعودي في وقت الحرب؟
يكشف تقييم الصندوق عن اقتصاد سعودي يُبدي مرونة مع إغلاق مضيق هرمز، لكنه يُحذّر من أن استمرار الصراع قد يقوّض آفاق النمو والتنويع على المدى المتوسط.
وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد السعودي بأنه يُجسّد "المرونة والقدرة على التكيّف" في مواجهة تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط، متوقعاً نمواً بنحو 2 بالمئة هذا العام، في حال عادت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال الأشهر المقبلة.
وأتمّ فريق من خبراء الصندوق، برئاسة عزيم صاديكوف، زيارة إلى الرياض بين 28 نيسان/أبريل و13 أيار/مايو 2026، ضمن مشاورات المادة الرابعة للعام الجاري، على أن يُرفع تقرير المهمة إلى مجلس المديرين التنفيذيين في يوليو/تموز 2026.
قال صاديكوف، في بيانه الختامي، إن المملكة العربية السعودية "دخلت عام 2026 بزخم قوي"، مستشهداً بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5 بالمئة في عام 2025، مدعوماً بالتراجع التدريجي لخفوضات أوبك+ وقوة النشاط غير النفطي. كما أشار إلى تحسّن سوق العمل وانخفاض التضخم إلى ما دون 2 بالمئة قبيل اندلاع الأزمة.
تأثير الحرب واضطراب الملاحة
أسفر النزاع المسلح عن تعطّل حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز، ما ألقى بظلاله على قطاعَي النفط وغير النفط على حدّ سواء. ويمرّ عبر المضيق عادةً نحو 20 بالمئة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تداعيات واسعة على الأسواق الدولية.
وبحسب بيان صندوق النقد، فإن "المملكة تُظهر رشاقة ومرونة"، إذ نجحت في إعادة توجيه تدفقات النفط سريعاً عبر خط أنابيب الشرق-الغرب إلى موانئ البحر الأحمر، فضلاً عن توظيف مخزونات أرامكو (Saudi Aramco) في الخارج للحدّ من تراجع الشحنات.
وعلى صعيد النشاط غير النفطي، أشار الصندوق إلى أن المؤشرات رصدت "استقراراً نسبياً في نيسان/أبريل"، عقب ما يُرجَّح أنه تراجع في آذار/مارس، في حين واصلت أسعار التأمين وتكاليف الشحن ارتفاعها، مع توقعات أن يصل التضخم إلى نحو 2.3 بالمئة خلال العام الجاري.
صمود مالي وهشاشة ظرفية
ورأى صندوق النقد أن المملكة تمتلك دروعاً مالية متينة، تتمثل في انخفاض الدين العام، ووفرة الاحتياطيات، وضخامة صندوق الثروة السيادي، بما يشكّل سنداً في مواجهة الصدمات. وتوقع الصندوق أن يُعوّض ارتفاع أسعار النفط خسائر الحجم، ما قد يُقلّص العجز في الحساب الجاري والميزانية خلال 2026. كما أكد أن ربط الريال بالدولار يوفر "مرساة موثوقة للسياسة النقدية"، في حين يتمتع القطاع المصرفي بملاءة رأسمالية وسيولة كافية لاستيعاب الصدمة.
السياسة المالية: التأهب لا الإنفاق
وأوصى الصندوق بالإبقاء على خفض "متواضع" للعجز الأولي غير النفطي في 2026، مرجّحاً أن تكون إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الوسيلة الأولى للتعامل مع تداعيات الحرب، لا التوسع المالي الفوري. وشدّد على أنه، في حال طال أمد الصدمة فحسب، تمتلك المملكة المساحة المالية الكافية لتخفيف موقفها الإنفاقي دعماً للاقتصاد، شرط أن يكون أي دعم إلى القطاع الخاص والأسر "موقتاً وموجّهاً وشفافاً". وأكد أن هذا الخيار يظل مرهوناً بتطور حدّة الأزمة، ولا يمثل توصية آنية.
وعلى الأمد المتوسط، دعا الصندوق إلى مسار جاد لترشيد الإنفاق وتنويع الإيرادات غير النفطية، بما في ذلك استكمال إصلاح دعم الطاقة مع حماية الفئات الهشة.
القطاع المصرفي ودور "ساما"
وأكد الصندوق أن القطاع المصرفي يقف على أرض صلبة، بفضل احتياطيات رأسمالية وسيولة كافية لاستيعاب الصدمة. ورحّب بيان الصندوق بجملة من الإجراءات التي اتخذها أخيراً البنك المركزي السعودي "ساما"، أبرزها قرار تفعيل احتياطي رأس المال المعاكس للتقلبات الدورية بمقدار 100 نقطة أساس، وهو إجراء احترازي يهدف إلى تعزيز قدرة البنوك على امتصاص الخسائر المحتملة في أوقات الضغط الاقتصادي.
كما رحّب بنهج "ساما" الاستباقي في الحدّ من مخاطر الاقتراض بالعملات الأجنبية، ومواصلته تعزيز أطر التسوية وتقديم السيولة في حالات الطوارئ.
رؤية 2030 في مواجهة الاختبار الأصعب
وبعد عشر سنوات على انطلاق رؤية 2030، لفت الصندوق الى أنها "عزّزت المؤسسات، وحسّنت صنع السياسات، وقلّصت الاعتماد على النفط"، مشيراً إلى أن استمرار الإصلاحات يظل ضرورياً للحفاظ على آفاق النمو البعيدة المدى. ورحّب بالاستراتيجية المعاد صياغتها لصندوق الاستثمارات العامة للمرحلة 2026-2030، القائمة على "توزيع أكثر انتقائية لرأس المال وتعزيز أكبر لمشاركة القطاع الخاص".
وشدّد على جملة من الأولويات، تشمل تحسين مناخ الأعمال، وتعميق أسواق رأس المال، وتطوير التعليم بما يواكب احتياجات سوق العمل، وتبنّي الذكاء الاصطناعي مع إدارة مخاطره.
السعودية ترحب
ورحّبت وزارة المالية السعودية بالبيان الصادر عن خبراء صندوق النقد الدولي عقب اختتام مناقشات مشاورات المادة الرابعة للعام 2026م، ونوهت بأن البيان "أكّد متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على الصمود في مواجهة التطورات الإقليمية الراهنة، مدعومًا بقوة أساساته الاقتصادية، ووفرة الاحتياطيات، وتنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية".
خمسة أرقام جوهرية
- 4.5% نمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي في عام 2025.
- نحو 2% النمو المتوقع في عام 2026، شرط انفراج أزمة هرمز.
- نحو 2.3% مستوى التضخم المتوقع لعام 2026.
- أقل من 2% معدل التضخم قبيل اندلاع الحرب.
- 100 نقطة أساس احتياطي رأس المال المعاكس للتقلبات الدورية الذي قرر "ساما" تفعيله.
نبض