من الرّقمنة إلى الإغاثة... كيف سيوظّف لبنان قرض الـ150 مليون دولار؟

اقتصاد وأعمال 04-06-2026 | 06:40

من الرّقمنة إلى الإغاثة... كيف سيوظّف لبنان قرض الـ150 مليون دولار؟

يحظى المشروع بتمويل متوقع بقيمة 150 مليون دولار، إلى جانب منحة تحضيرية بقيمة 1.5 مليون دولار مقدمة من البنك الدولي لتمويل الأعمال التمهيدية...
من الرّقمنة إلى الإغاثة... كيف سيوظّف لبنان قرض الـ150 مليون دولار؟
صورة تعبيرية.
Smaller Bigger

تتزاحم الأولويات في لبنان بين إعادة بناء ما هدّمته الحرب وتأمين احتياجات آلاف المتضررين والنازحين، وبين منع مؤسسات الدولة من الغرق أكثر في التراجع الإداري والتقني الذي راكمته سنوات طويلة من الإهمال. ومع تنامي الضغوط المالية والحاجة إلى تمويل سريع، فتحت الحكومة بالتفاهم مع البنك الدولي الباب أمام إعادة توجيه أجزاء من بعض القروض لتغطية الاحتياجات الطارئة والإغاثية، من دون التخلي عن مشاريع التحديث الأساسية. 

 

 

 

من هنا، يكتسب مشروع تسريع التحول الرقمي المموّل بقرض قيمته 150 مليون دولار، أهمية خاصة باعتباره محاولة للجمع بين الاستجابة لتداعيات الحرب من جهة، ووضع أسس إدارة رقمية حديثة قادرة على تحسين الخدمات العامة وتعزيز كفاية الدولة من جهة أخرى.

 

ويبحث مجلس الوزراء في جلسته المقبلة بنداً يتعلق بتفويض وزير المال ياسين جابر توقيع اتفاقية القرض مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير (IBRD) لتمويل مشروع "تسريع التحول الرقمي في لبنان"، على أن تتولى وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية (OMSAR) تنفيذ المشروع والإشراف عليه.

 

ويهدف المشروع إلى تعزيز الركائز الرقمية الأساسية في لبنان وتحسين تقديم الخدمات العامة ذات الأولوية، من خلال إنشاء قدرات آمنة ومرنة لاستضافة البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير البنية التحتية الرقمية العامة متعددة القطاعات، إضافة إلى رقمنة الخدمات الحكومية ورفع المهارات والقدرات الرقمية في الإدارات العامة.

 

ويحظى المشروع بتمويل متوقع بقيمة 150 مليون دولار، إلى جانب منحة تحضيرية بقيمة 1.5 مليون دولار مقدمة من البنك الدولي لتمويل الأعمال التمهيدية. كما تشمل ترتيبات التنفيذ إنشاء وحدة فنية لإدارة المنحة ووحدة متخصصة لتنفيذ المشروع، تتولى التنسيق والمشتريات والإدارة المالية وإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية والمهام الفنية المرتبطة به.

 

مشروع للدولة كلها

يؤكد وزير المال ياسين جابر أن المشروع لا يخص وزارة أو إدارة بعينها، بل يشكل مشروعاً للتحول الرقمي على مستوى الدولة بأكملها. ويقول إن الهدف هو الانتقال تدريجياً إلى إدارة إلكترونية تسمح بإنجاز معظم الخدمات الحكومية من دون الحاجة إلى مراجعة الدوائر الرسمية.

 

ويشير جابر إلى أن تجربة وزارة المال خلال الأشهر الماضية أظهرت حجم التراجع الذي تعانيه البنية التكنولوجية في الإدارات العامة، موضحاً أنه عند تسلمه مهامه اكتشف أن خوادم الدوائر العقارية تعود إلى عام 2007 وكانت في حالة متقادمة للغاية. لذلك تم الحصول على منحة أوروبية بقيمة 12 مليون دولار لتحديث البنية المعلوماتية في وزارة المال والجمارك والدوائر العقارية، إلى جانب تطوير البرامج والتطبيقات الإلكترونية الخاصة بهذه الإدارات.

 

ويضيف أن العمل يجري أيضاً على مشاريع لربط قواعد البيانات بين الإدارات المختلفة، بما يسمح بتبادل المعلومات تلقائياً بين الجهات الرسمية، في إطار خطة شاملة لتحديث وأتمتة وزارة المال والإدارة العامة.

 

 

شراكة مع القطاع الخاص؟

وتحتل الهوية الرقمية موقعاً محورياً في المشروع، إذ يكشف وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي أن نحو 50 مليون دولار من أصل القرض مخصصة لهذا البند. إلا أن الوزارة تدرس في الوقت نفسه إمكان تنفيذ المشروع عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بحيث تتولى شركات متخصصة تمويل المشروع وتشغيله واسترداد استثماراتها من رسوم الاستخدام.

 

ويشرح مكي أن هذا النموذج يعتمد ما يسمى "تقاسم الإيرادات" (Revenue Sharing Model)، حيث تتحمل الشركة كلفة الاستثمار الأولية والتشغيل في السنوات الأولى، قبل أن تسترد أموالها من العائدات الناتجة من استخدام الخدمات الرقمية، لافتاً إلى أن المشروع يتمتع بجاذبية استثمارية كونه لا يقوم على الهبات بل على نموذج تجاري قابل للاستدامة.

 

وفي حال نجاح هذا الخيار، يقول مكي إن الدولة قد لا تضطر إلى استخدام الـ50 مليون دولار المخصصة للهوية الرقمية ضمن قرض البنك الدولي، ما يتيح إعادة تخصيص هذه الأموال لمشاريع أخرى أو خفض حجم التمويل المطلوب.

 

البنية الرقمية والأمن السيبراني

وبحسب مكي، فإن الأموال التي ستبقى ضمن المشروع ستوجه إلى مجموعة واسعة من الاستثمارات الرقمية، تشمل مراكز البيانات (Data Centers)، وتعزيز الأمن السيبراني، والمنصة الحكومية الموحدة، والخدمات الإلكترونية، وبناء القدرات البشرية والتقنية داخل الإدارة العامة.

 

ويشدد على أن الهوية الرقمية تشكل "الركيزة الأساسية" للتحول الرقمي الشامل، لأنها تتيح للمواطن إنجاز معاملاته إلكترونياً والتحقق من هويته رقمياً، على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول العربية والعالمية.

 

مرونة لاستخدام جزء من القرض

وفي موازاة الأهداف الرقمية للمشروع، يبرز بعد آخر يتعلق بإمكانية استخدام جزء من التمويل لمواجهة تداعيات الحرب وإعادة الإعمار. ويكشف جابر أن الحكومة تفاهمت مع البنك الدولي على آلية تسمح بإعادة توجيه بعض القروض القائمة نحو الأولويات الطارئة، في إطار ما يُعرف بعملية "إعادة التركيز" (Refocusing).

 

ويشير إلى أن لبنان يواجه ظروفاً استثنائية تفرض البحث عن مصادر تمويل سريعة، موضحاً أن البنك الدولي يسمح في حالات الطوارئ بإعادة تخصيص أجزاء من بعض القروض لتغطية الاحتياجات الملحة، سواء في مجال الإغاثة أو إعادة الإعمار.
ويتقاطع هذا التوجه مع ما أعلنه مكي عن إدخال تعديل على المشروع يسمح باستخدام جزء من القرض في عمليات الإغاثة والإنقاذ وإعادة الإعمار، بما يمنح الحكومة هامشاً أوسع للتحرك وفق المستجدات.

 

التوقيع والانطلاق

وبحسب جابر، فإن اتفاقية القرض ستوقع بعد إقرارها في مجلس الوزراء، قبل إحالتها إلى مجلس النواب للتصديق عليها. أما مكي فيتوقع أن يبدأ التنفيذ الفعلي للمشروع في أواخر الصيف المقبل، مشيراً إلى أن التحضيرات التقنية والإدارية انطلقت منذ أشهر بدعم من المنحة التحضيرية البالغة 1.5 مليون دولار.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 5/31/2026 9:28:00 PM
فيديو متداول للرئيس أحمد الشرع وعقيلته في بلودان يثير تفاعلاً واسعاً
لبنان 6/2/2026 9:09:00 PM
بين طريق الخطر وطريق العلم والمعرفة، أثارت الحادثة موجة واسعة من الجدل، ترافقت مع انتقادات طالت وزارة التربية والتعليم العالي، حيث وجّه كثر أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية ريما كرامي على خلفية الإصرار على إجراء الامتحانات حضورياً.
لبنان 6/3/2026 7:11:00 AM
يسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي.