هل تنهي مبادرة العمل المرن في الرياض هدر 66 ساعة سنوياً على الطرق؟
أطلقت الرياض مبادرة ساعات العمل المرنة في ست مناطق حيوية بالعاصمة، في خطوة تستهدف تخفيف أزمة ازدحام يخسر فيها السائق نحو 66 ساعة سنوياً من وقته على الطرق.
ست مناطق، خمسون جهة حكومية، وأربع ساعات هي كل ما يفصل بين موظف يقضي ثلث ساعة في الوصول إلى مكتبه، وآخر يهدر ضعف ذلك في الازدحام. هذه المعادلة البسيطة تقف خلف مبادرة ساعات العمل المرنة التي فعّلتها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، اعتباراً من 2 حزيران/يونيو 2026.
وبحسب مؤشر توم توم (TomTom) لحركة المرور، وهو منصة بيانات هولندية ترصد الازدحام في أكثر من 500 مدينة حول العالم استناداً إلى بيانات نظام تحديد المواقع العالمي لملايين المستخدمين، بلغت نسبة الازدحام المتوسطة في الرياض 43.7% عام 2025، ويخسر السائق فيها نحو 66 ساعة سنوياً في أوقات الذروة وحدها. والرقم الأخير، رغم أنه يمثل تحسناً بنحو خمس ساعات مقارنة بعام 2024، يظل كافياً لتحويل يوم عمل كامل إلى وقت ضائع داخل السيارة.
والمشكلة ليست مجرد إزعاج يومي. فالازدحام يفضي إلى ارتفاع استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 29% بسبب السير المتقطع، وفق دراسة مركز أبحاث الطاقة "كبسارك". وكشف استطلاع للمركز الوطني لاستطلاعات الرأي العام عام 2024 أن 59% من سكان الرياض تستغرق رحلتهم اليومية إلى العمل أكثر من نصف ساعة.
منطق المبادرة: إدارة الطلب لا توسعة العرض
ما يجعل هذه المبادرة لافتة ليس حجمها فحسب، بل منطقها. فبدلاً من الاستمرار في حفر الطرق وتوسعتها، تراهن الرياض هذه المرة على توزيع الضغط عبر الزمن، لا على تخفيفه عبر الفضاء.
يصف الدكتور علي الحازمي، المحلل الاقتصادي وعضو الجمعية الاقتصادية الأميركية، في حديثه إلى "النهار" هذا التحول بأنه انتقال من "الاعتماد المستمر على التوسع في البنية التحتية إلى رفع كفاءة استخدام الطرق القائمة". ويرى أن توزيع أوقات الحضور والانصراف على فترات مختلفة يمكن أن يخفف كثافة الحركة في ساعات الذروة ويحسن انسيابية التنقل، "خصوصاً في ظل توجه قد يُغني عن الحاجة إلى استثمارات رأسمالية كبيرة في توسعة الطرق".
ويطرح الحازمي مفهوماً أوسع لفهم هذه الخطوة، هو "إنتاجية المدن"، موضحاً أن تقييم الأداء الحضري لم يعد مرتبطاً بحجم الطرق والمشروعات فحسب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة المدينة على إدارة الطلب على خدماتها. ويرى أن المبادرة قد تسهم في تعزيز جاذبية الرياض كمركز للأعمال والاستثمار، "لا سيما أن الازدحام كان من العوامل التي قد تحد من الإقبال على العاصمة".

آلية التطبيق
تتيح المبادرة نافذة مرونة مدتها أربع ساعات: من 5:30 حتى 9:30 صباحاً للجهات الخاضعة لنظام الخدمة المدنية، ومن 7:00 حتى 11:00 صباحاً للجهات الخاضعة لنظام العمل. أما القطاعات التي تستلزم استمرارية التشغيل، مثل الصحة والتعليم والوظائف الميدانية، فتُستثنى لضمان عدم تأثر الخدمات المقدمة.
والمناطق المشمولة هي: مركز الملك عبدالله المالي (KAFD)، والمدينة الرقمية، وواجهة روشن (Roshn Front)، وليسن فالي (Laysen Valley)، وغرناطة للأعمال (Granada Business)، وحي السفارات، وهي مناطق تتركز فيها الكتلة الأكبر من الوظائف الحكومية في قلب العاصمة.
ووصف صالح الجاسر، وزير النقل والخدمات اللوجستية، المبادرة في تصريح نشره عبر حسابه الرسمي بأنها "أنموذج لتكامل الجهود بين مختلف الجهات لتحسين تجربة المستفيدين من شبكات النقل"، مؤكداً أنها "ستنعكس إيجاباً على جودة الحياة في العاصمة وتعزيز الاستفادة من خدمات منظومة النقل العام".
تُعد مبادرة ساعات العمل المرنة بالرياض أنموذجاً لتكامل الجهود بين مختلف الجهات، لتحسين تجربة المستفيدين من شبكات النقل، وتوسيع انسيابية الحركة المرورية، ورفع كفاءة التنقل اليومي، بما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة في العاصمة، وتعزيز الاستفادة من خدمات منظومة النقل العام. https://t.co/hMPZ43oE3j
— صالح الجاسر (@SalehAlJasser) June 2, 2026
نوايا إيجابية وحدود واضحة
في قراءة موازية، أقرّ الدكتور محمد رمادي، أستاذ المالية والاقتصاد السابق في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والمستشار السابق للهيئة الملكية لمدينة الرياض في إعداد نموذج للتنبؤ بالناتج المحلي الإجمالي للرياض، بأن إعلان الهيئة "ينطلق من نوايا إيجابية"، لكنه أشار إلى أن تخفيف الازدحام المروري الحاد في العاصمة يتطلب إجراءات إضافية.
وأضاف رمادي في تعليق لـ"النهار" أن "نافذة العمل المرنة الممتدة لأربع ساعات في مناطق العمل الست النموذجية ستساعد بلا شك في خفض الازدحام المروري وزيادة إنتاجية الموظفين الإداريين، كما ستسهم في جذب مزيد من الشركات الأجنبية لنقل مقارها الرئيسية إلى الرياض". غير أنه لفت إلى أن هذه الإجراءات تستهدف أساساً الوظائف الإدارية، وتستثني شريحة واسعة من العاملين في وظائف الخدمات والوظائف الميدانية، "الذين يمثلون جزءاً رئيسياً من مستخدمي الطرق والمتأثرين بالازدحام، رغم أن بعضهم بدأ استخدام شبكة خطوط المترو المتاحة".
ورأى رمادي أن الهيئة الملكية تحتاج إلى حل متكامل للتنقل المروري يشمل ثلاثة محاور: فرض رسوم ازدحام على الطرق الأكثر استخداماً، وتوسيع الربط عبر شبكة المترو بما يغطي مدينة الرياض طولاً وعرضاً، وترخيص مشغلي حافلات صغيرة للتنقل داخل المدينة بأسعار مدعومة، بهدف تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة. وأضاف أن هذا النمط من التنقل "يحظى بشعبية كبيرة بين العاملين في الوظائف الخدمية والميدانية".

ما هو على المحك
يبقى السؤال الذي لا تجيب عنه المبادرة بعد: بكم تُكلّف الرياض أزمة الازدحام سنوياً؟ ولا توجد دراسة دقيقة تقيس الكلفة الاقتصادية لهذه الظاهرة تحديداً في الرياض وجدة. وهذا الفراغ يجعل قياس نجاح أي مبادرة للتخفيف من الازدحام أمراً عسيراً في غياب خط أساس واضح.
الجدير بالذكر أن الرياض تستهدف أن تكون ضمن أكبر عشرة اقتصادات مدن في العالم بحلول 2030. وإذا كانت الطرق عصب أي اقتصاد حضري، فإن 66 ساعة ضائعة سنوياً لكل موظف ليست مجرد إزعاج مروري، بل معادلة إنتاجية تحتاج إلى إجابة أشمل مما تقدمه مبادرة واحدة.
نبض