الإمارات تغادر الأسواق الناشئة... ماذا يعني ذلك؟
لم يعد الأمر مجرد توقعات أو مراجعات دورية للمؤشرات العالمية، بل أصبح واقعاً فعلياً بعد خروج الإمارات من مؤشرات سندات الأسواق الناشئة، في خطوة تعكس حجم التحول الاقتصادي والمالي الذي حققته الدولة خلال السنوات الماضية. وبينما قد يبدو الاستبعاد للوهلة الأولى حدثاً سلبياً، فإن الأسباب التي أدت إليه تشير إلى قصة مختلفة تماماً.
فالإمارات لم تغادر هذه المؤشرات بسبب تراجع اقتصادي أو ضغوط مالية، بل على العكس، جاءت الخطوة نتيجة تجاوزها المعايير التي تُستخدم عادةً لتصنيف الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها مستويات الدخل والثروة والاستقرار المالي. وبذلك تكون الإمارات قد انتقلت عملياً إلى منطقة وسطى بين الأسواق الناشئة والاقتصادات المتقدمة، وهو موقع لا تصل إليه إلا الدول التي تنجح في تحقيق نمو اقتصادي طويل الأمد مصحوباً باستقرار مالي ومؤسساتي.
وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح. فالنّاتج المحلي الإجمالي للفرد تجاوز 50 ألف دولار خلال السنوات الأخيرة، وهو مستوى يضع الإمارات في مصاف العديد من الاقتصادات المتقدمة، بينما حافظت الدولة على تصنيفات ائتمانية مرتفعة ضمن فئة AA، وهي من أعلى التصنيفات عالمياً. كما استمرت في تسجيل معدلات نمو قوية مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة التي تواجه تباطؤاً اقتصادياً وتحديّات ديموغرافية متزايدة.
ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل جاء نتيجة مسار طويل من تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. فاليوم تساهم القطاعات غير النفطية بأكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعة بنمو قطاعات الخدمات المالية والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والتجارة الدولية. كما أصبحت الإمارات مركزاً مالياً إقليمياً وعالمياً يستقطب الشركات ورؤوس الأموال من مختلف أنحاء العالم.

ورغم أن خروج الدولة من المؤشرات قد يدفع بعض الصناديق الاستثمارية المرتبطة بمؤشرات الأسواق الناشئة إلى إعادة توزيع استثماراتها، فإن التأثير الفعلي يبدو محدوداً مقارنة بحجم الاقتصاد الإماراتي وجاذبيته الاستثمارية. فالإمارات كانت تمثل نحو 4.1% من مؤشر السندات للأسواق الناشئة، في حين أن جودة السندات الإماراتية ومستوى المخاطر المنخفض المرتبط بها يجعلانها مؤهلة لجذب فئات جديدة من المستثمرين الذين يفضلون الاقتصادات ذات التصنيفات الائتمانية المرتفعة.
الأهم من ذلك أن تكلفة الاقتراض الإماراتية ظلت خلال السنوات الماضية أقرب إلى مستويات الاقتصادات المتقدمة منها إلى الأسواق الناشئة. فقد تداولت السندات الإماراتية بفروق عائد منخفضة مقارنة بمتوسط الأسواق الناشئة، ما يعكس ثقة المستثمرين بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية واستمرار متانة أوضاعها الاقتصادية.
ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تغيرات هيكلية كبيرة. فبينما تواجه العديد من الاقتصادات الأوروبية تباطؤاً في النمو وتراجعاً في التنافسية الصناعية، وتواصل الولايات المتحدة والصين التنافس على قيادة الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، استطاعت الإمارات ترسيخ مكانتها كمركز اقتصادي واستثماري يربط بين الشرق والغرب ويستفيد من التحولات الجارية في حركة التجارة ورؤوس الأموال العالمية.
لذلك فإن أهمية الحدث لا تكمن في خروج الإمارات من مؤشر للأسواق الناشئة، بل في الرسالة التي يحملها هذا الخروج. فبعد سنوات من الاستثمار في البنية التحتية والقطاع المالي والتكنولوجيا وجذب الكفاءات ورؤوس الأموال، أصبحت الإمارات تُقيَّم وفق معايير تختلف تدريجياً عن تلك التي تُستخدم للأسواق الناشئة التقليدية.
وبالنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الحالية، يبدو أن النقاش لم يعد يدور حول قدرة الإمارات على مغادرة فئة الأسواق الناشئة، لأنها فعلت ذلك بالفعل، وإنما حول مدى قربها من الحصول على اعتراف أوسع ضمن فئة الاقتصادات المتقدمة في السنوات المقبلة. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على جذب الاستثمارات العالمية، قد يكون هذا التصنيف أحد أبرز الإنجازات الاقتصادية التي حققتها الدولة خلال العقود الأخيرة.
نبض